الأحد، 9 فبراير 2020

(١٣) إلى شخصٍ ألهَمك ..




من المؤسف أن كلّ هذه الأفكار يوالدها الحُزن، وتتابع المصائبهل تُصنّف هذه الأفكار ضمن الإلهام؟ 
إن كانت كذلك فالشخص هو الموت، أو .. مَلَك الموت ربما؟  

خمس جنائز في أقل من شهر، خمس جنائزلا تكاد تُرفع أثواب العزاء وتنَظف المجالس إِلّا وجثمان جدٍّ آخر محمول بين أيدي الرّجال يدخُلهامجددًاتجتمع كلّ الجدّات، بانكسارِ من غيّب الموت فلذات أكباده وأحباب صباه، ودفعته الحياة عمرًا يعيشه بكلِّ هذا الفقدلا تجفّ محاجردموعِهِنّ، ولا ينكفئ اهتزاز شفافههن ولا تمتماتهنّ عن الدّعاء

صافحتُ أيادٍ كثيرة، كثيرة جدًاأشعر بأن يدي حمّلت عبء ذاكرَةٍ جديدة، أشعر بين فينة وأخرى بملمس الأيادي التي صافحتني، بحركتها،انسحابها وشدّها على الأطراف، تتذكر يدي ملمس الأيادي التي حاصرتها بعناق، ظاهرها وباطنهاوأكثر ما تشعر به، اتكاء الجدّات عليهاعند مسيرهن، وشدّهن على ساعدها لأجلس بالجوار

لا أريدُ ذِكر الأجداد وذكرياتنا، يبدو الأمر أشبه بكذبةٍ نحاول بالكلمات تصديقها، حتّى أنه إذا جاء ذكر جدّي ولَم نتبعه بـ-رحمه اللهيقفزأحدنا مُذكِرًا -رحمه اللههل نَتَصافَعُ بالحقيقة؟ أم أنّها لبيّنتهَا تعمينا؟ كيف أن اليقين الذي يصحب جمع الناس المُعزين ما زال محلّ شكّ،وأن شيئًا من أمل على لقاءهم باقٍ فينا؟ 

في كلّ مرّة أرى فيها صورةً لجدّي، أسأله بيقين العارف "هل رحلت عنّا يا جدّي؟وبحيرة المرتاب من شعوره أتدارك بِضَعَ الشكّ "سلّم علىالأحباب يا حبيب". كنتُ يوم وصلَ جثمانه أمسك برأسه وأهزّه طالبةً منه أن يقوم "قُم يا جدي، قُمقُم يا جدي ..." قطعت صوتي غصّة البكاء لمّا فجّرت ينبوعًا تلو الآخر، تراصّت أسناني وأنا أحاول كبحه لأوصل الحديث معه، لكن مشهد ابنة خالي على يميني تضرب رجليها جعلنيأتدارك نفسي وأمسك بيدها، تفقأ هذه المشاهد التي التقمتها الذاكرة عين القلب مُفجّرةً فيه ينابيع تغذي البئر السّحيقة التي يهوي بِنَا الحُزنُإلى قعرها، مرّةً بالصّور ومرّة بالمقاطع الصوتية، ومرّات كثيرة بما في الذاكرة وبالخيالاتنحنُ نهوي بوعي ودون وعي، كدلوٍ يشربُ منه الموت دموعه، فيهوي به الحزن إلى بئر لا تنضبيملأ له دموعًا أحرّ يقول بهاستَفقِد وتُفقد، ستبكي كثيرًا ويُبكى عليك، لا تنفد هذه الدّموع ولن،...  

أروى بنت عبدُالله 
٧ ذو الحجة ١٤٣٠ هـ 
٧ أغسطس ٢٠١٩ م 
٩:٣٧ م

*الرسالة الثالثة عشرة من تحدٍ على حسابي في تويتر arwalabri 

الأربعاء، 2 أكتوبر 2019

#سوالف_خريج (١)

تنبيه: في التدوينة نقشٌ حزين.. 

مرحبًا يا أصدقاء .. 
بعد الفصل الصّيفي، حظيتُ بإجازةٍ مدّتها ٣ أشهر، شهر مرض جدي وشهران قضيناها نتنقل بين مجالس العزاء إذ فقدت جدي لوالدي وبعده فقد أبناء عمي جدهم لأمهم، ثم توفي الجد زوج عمة أبي، ثم جد أبناء عمي لأمهم، ،الجدّ الخامس كان عمّ أبي وابن عمته وأخ عمي بالرضاعة. كيف تربطنا الدماء بالأجداد حتّى إذا نبش الخيال صناديق الذاكرة فار فينا الدّم مشعلًا في الرّوح أوجاع الفقد. 

عدنا بعدها إلى الحياة على مضض، راضين بقضاء الله وقدره، ندفع بأنفسنا دفعًا نحو الالتزامات الاجتماعية تارةً، ونحو الالتزامات الشخصيّة الأخرى. ثقيلٌ الحديث عن الأيام التي لا يعرف المرء كيف ستنتهي وكيف نكون بعدها، حتى وجع القلب ونغمات الرّوح تعود بمجرد تراءي مشهد الوداع، الجد بكفنه والجدة تبكي ويتحشرج صوت الدعاء شاقًا طريقه إلى أذاننا. يظن المرء أنه سيصبح أقوى، سيستطيع التحكم بدمعه وحرقة قلبه، سيستطيع منع نفسه من أكل شفافهه وقضم أصابعه والقبض على ساعده بقوّة. لكن أيًّا من هذا لا يحدث، بل وعلى العكس، تزيد هشاشة النّفس، وتنقطع الأنفاس من شدّة البكاء ويشتدّ وجع الرأس من طولِ وقته والغصة المصاحبة له. 

ما الذي يمكن لخرّيج أن يقوله وهو عائد إلى مكان ما بعد الفقد لأول مرة، كيف أبدأ دون أن أتصل بجدّي وأخبره بأن الفصل بدأ، وكيف سأتوجه إلى قاعة الاختبار دون أن أتصل به لأخبره أن الاختبارات بدأت وأطلبه الدعاء، كيف سيرسل لي عتابه في مجموعة العائلة أنني أنهيت اختباراتي ولم أتصل لأخبره وأطمئن عليه؟ لم نحمّل أنفسنا الأوجاع رغم ثقلها بتفاصيل كثيرة. لم يسحبنا الفقد في الشوارع والأزقة والصّور والملفات الصوتية ويجرّنا بكل خيوط الذكريات! 

بعد فصول قضيت كل واحد منها بين ٦ مواد دراسية بمعدل ١٨ ساعة، أبدأ الفصل قبل الأخير ب٤ مواد فقط، وهذا يجعلني أستهين بالحضور لكنني أحضر، وأرى الدراسة كلعبة وألعب! حاولت أن أركز مع الأستاذ لكنني لا أُفلح كثيرًا، ... ٢١ سبتمبر ٢٠١٩م. ٣:٠٣ م. 


خرجتُ من أوّل اختبار لهذا الفصل والضيق يُكدِّس نفسه فيَّ بطريقة ما، لا أعرف ماذا أكتب وقلمي غير جيد ويدي تؤلمني. وقفت قرابة الخمس دقائق في منتصف الدرج وأنا نازلة، لماذا سلمتِ الورقة؟ لماذا خرجتِ؟ لم أُحبطتِ هكذا؟ كل ما أذكره أنني واصلت طريقي وعندما وقعت عيني في عيني فتاة في الممر أشحتها بسرعة خشية أن تقرأ فيهما شيئًا. من يتحاشى النظر إلى عينيه في المرآة خشية أن يلمح كم تغير كثيرًا، خشية أن يرى فيهما صورة متغيرة للأحبّة وخشية المواجهة. ثم يعود أدراجه ويقف متحديًّا كلّ تلك الخشية ومُطلقًا مدافع دموعه لأن الأمر لا يمكن تجاوزه ولا يمكن تجاهله ولا التغافل عنه. 

لعلّ أكثر ما يبعدني عن الكتابة هو هذا الحزن الطّافح، أتذكر المرّات التي ألغيت فيها متابعة فتاة بسبب الهلع الذي يصيبني من تغريداتها عن الفقد، أتذكر حالة اللاوعي من الصدمة التي مررت بها بسبب كلمات معدودة وأخاف تكرارها. لكن، في اللحظة التي نعيش فيها الشعور ذاته، نصبح نحن مصدر تلك الكلمات بل وأشدّ على أنفسنا وأقسى، نجلِدُ بقوّة لأن الألم خدّر الحواس في لحظة، ثم وما إن نعود إلى رشدنا نتجرّع مرارة ما صنعنا. 

كلما زدت في التدوينة كلمة، زاد ترددي في أمر نشرها.. ثمّ أتذكّر التعريف الذي وضعتُهُ للسلسة #سوالف_خريج عن قصص تتردد في مذياع لا يصمت، وصوته لا يصل إلى مسامع أحد. 
أتمنى أن لا تتأذى قلوب الأصدقاء بهذا.. نحن نتجاوز مراحل الحياة الثقيلة بالكلمات وبالرّفاق. وأتمنى دائمًا أن يدرك الرّفاق أهمية كلماتهم في قلوبنا، وأثر رسائلهم في دروبنا. 

أروى بنت عبدُالله 
٢ أكتوبر ٢٠١٩ م. ١:٢٤ ص. 

الأربعاء، 15 مايو 2019

#سوالف_خرّيج | استهلال




في اللحظة التي يبدأ فيها تداول سؤال "كم مادة باقي؟" بين الأصدقاء، يبدأ شعور التخفف من ثقل المكان بالظهور شيئًا فشيئًا. حتّى اللحظة التي نصطدم فيها بعناق صديقٍ أتمّ عرض مشروع تخرجه وأنهى آخر اختبارٍ له، بين مباركات عميقات وشكل من الانفصال لا يمكن تجاوزه بأي طريق. تجد نفسك بين صديقين آخرين، بين مودِّعٍ ومودَّع، يُثقلك ما بقي من مواد، ويخيفك مضيُّ الأيام السّريع. تقف مع نفسك على مفترق طرق، بين أن تتخرج في الخريف أو تقسم ما بقيّ على فصلين وتتخرّج في الربيع! بين أن تمضي في التسجيل لفصل الصيف، وبين أن تحذفه وتستأثر بالشهر الفضيل لنفسك! بين أن تضحي برغبة نفسك وتجاهد في سبيل أن لا يقتلك الغيظ لو ثبتت احتمالية أن يُدرِّس مادة أخلاقيات العمل القانوني من له مع الغش مسيرة مشهودة، ويكون في القاعة أبطال تلك المسيرة، ويكون المثال والمثل المطروح يُناصر من يدفع له مالًا أكثر، ويوسع دائرته الاجتماعية.  

تبدأ تفكّر أكثر من ذي قِبل بخططك خارج نطاق الدراسة والعمل، الخطط التي بقيت تنام وتصحو في رأسك كل يوم، وتجرّها معك في كل طريق تسلكه، تفكّر باللحظة المناسبة لإطلاق سراح نفسك منها، ومنحها شكلًا من أشكال الحياة بنقلها من دفاترك المثقلة بالخطط إلى الواقع العملي. وتفكّر أكثر بالعناية التي يتطلبها العمل عليها، أن تكوِّن فكرتك، وتحميها، وتسعى لنشر رسالتك بها، ودعم القضايا التي تهمك، ومشاركة الآخرين بناء أحلامهم واستنهاض عزائمهم. 

رُبّ فكرة أرّقتك، فأفاضتك. وترددت على مسامع من حولك، فأضجرتهم. وخرجت للمجتمع، فقوّمته! 
اللهم أفض علينا خيرك. واقبلنا عندك، وارزقنا القَبول الحسن في الدنيا والآخرة. وقوّمنا وقوّم مسيرنا إليك. وأصلحنا واجعلنا مصلحين، داعين إلى سواء السّبيل ببركة قربك، وبذكرك وهُداك.  

أروى بنت عبدالله .. 
٩ رمضان ١٤٤٠ هـ | ١٥ مايو ٢٠١٩ م 




الخميس، 14 فبراير 2019

ما الذي صنعك؟



يصعب على الإنسان أن يصرِّح ببساطة أو وضوحٍ عن المواضع التي عومل فيها بدونية أو استصغار لأيّ سبب كان ومن أي كائن كان. لأن طبيعته البشرية أو ما خلقه المجتمع من شكليات يصنع فيه رغبة ملحة في تلميع صورته ليكون أفضل من شخص يعرفه أو شخصية مثالية رسمها له خياله. وقد يحالُ ذكره للحظات تخطيه مراحل حياته الصعبة إلى نرجسيةٍ أو غرور. وكلا الحالتين تؤثر على نظرة الإنسان لنفسه وتقدير استحقاقه لما يمر به من خير في حياته، ومن شر في حال تعرضه للسخرية في المجالس أو الإحراج في الأنشطة الإجتماعية. وتعامل الناس مع كل ذلك هو ما يصنع الاختلاف في حياتهم، وإن تشابهت ظروفهم. من هنا ننطلق إلى محاولة فهم الحقيقة التي تقف وراء نقاط القوة والضعف لدى كلٍّ منَّا، وأثر الظروف التي مررنا بها في حياتنا على تكون شخصياتنا، ثم إلى أهمية الاستقلال الفكري في بناء شخصياتنا وبناء الأمَّة. 

كثيرًا ما يعيد الإنسان النظر إلى مواقف مر بها في طفولته أو مرحلة ما من نضجه محاولًا كشف سبب تكوُّن بعض الصفات في شخصيته واكتساب بعض العادات، وتأثيرها على طريقة تعامله مع ما حوله من مجريات. وبعد معرفته لتلك الأمور يمكن أن يتوقع رد فعله لأنه سيكون بين أمرين لا ثالث لهما إما امتنان لما بناه أو انتقام مما حطمه. أما الامتنان فيكون نتاج حالة الرضا التي يعيشها مع وضعه الحالي والذي ما كان ليكون لولا ما مر به، يبدأ فيها بعدِّ المواقف التي أدرك فيها المعاني في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف". ومن القوة هنا أن يقف الفرد في وجه كل من يحاول زعزعة ثقته بنفسه وبما يفعله، وأن يتحدّى الفكر الجمعي لدى المتنمرين عليه بسبب اختلافِهِ. وعليه أيضًا أن يراجع تصرفاته مع الآخرين، إذ قد يتنمر هو بدوره على من حوله دون أن ينتبه وذلك من سعي عقله اللاواعي للانتقام، لأنه تعرَّض للتنمر أو الاستنقاص في حياته والذي قد يكون بدأ من سن صغيرة. وسعيه للانتقام قلب للأدوار، إذ يصبح فيه جانيًا بعد أن كان ضحيةً لتصرف عدواني تعرض فيه لنوع من الأذى. لذلك على الإنسان الواعي أن يسلط الضوء على طريقة تعامله مع نفسه والآخرين لما لها من أثر نفسي كبير وذا مدًى بعيد أيضًا عليهم وعليه وعلى المجتمع ككل. ومحاولة الضحايا للانتقام من كل من وما أساء لهم يُفسد قيم الفضيلة، ويرّبي في النفس العداء والكراهية للآخر، ويخلق مجتمعًا مهتز الأركان يحاول أفراده إستعادة شعور التفوق المسلوب منهم تباعًا، بالتسلط!  

إن إلقاء اللوم بشكل دائم وشائع على الظروف، هو العذر الذي يعمل بمثابةِ شمّاعة يعلق فيها الناس معاطف إخفاقاتهم وعثراتهم في الطريق التي حسبوها سلم نجاح وكانت لهم حفرة فشل عميقة، وما ذلك إلا بسبب إقصاء أنفسهم من دائرة المسؤولية. لو أنهم وضعوا نصب أعينهم قول الله تعالى {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ما يعني أن الله بيّن للإنسان طريق الخير وطريق والشر وجعل له الاختيار، واختياره يحدد ما ستسير عليه حياته، وتحدد طريقة تعامله مع الظروف الطريق الذي يريده لنفسه. ويبصرنا هذا أيضا بأهمية تعلم فن صناعة القرار، لأن القرارات كثيرًا ما تكون مصيرية وذات أثر مباشر على حياة الفرد. أذكر من هنا ما قاله ستيفن كوفي: "أنا لست نتاج ظروفي، أنا نتاج قراراتي"، والذي حمَّل فيه نفسه تكوين شخصيته، إيمانًا منه بأن القرار هو ما يحرك قارب حياته لا الظروف المناخية التي تحرك أمواج البحار. ولو آمن الناس بهذا، لأدركوا قيمة أن يكون لهم الاختيار وبين أيديهم القرار الذي يحركهم في أصعب الظروف وأحلك الليالي للوصول إلى ما خططوا له من أهداف. لا تنتظر الظرف المثالي لتغير حياتك، فالحقيقة هنا أنَّ الظروف السيئة جاءت نتاج قرارات سيئة، وخنوعٍ للملهيات التي أخذت الفرد من نفسه، ودفتعه بعيدًا عن تحقيق مسؤوليته المجتمعية إذ كيف عضوًا فاعلًا وصانع قرار وهو لا يعرف كيف يدير نفسه وما يمر به، وحمل مسؤولية ذلك للظروف. 

من هنا تأتي أهمية الاستقلال الفكري، علينا جميعا تحطيم فقاعة الناس المتشابهين التي صنعتها التقنية بمصطلح القرية الصغيرة. إن مصطلح الاستقلال عميق جدًا، فهو التحرر من كل ما قد يقيد حرية الاختيار بأي وسيلة كانت. يدخل المتحدث في ما يتعلق بالاستقلال في الفلسفة الأخلاقية والسياسية مثلًا. وجاء ذكر الاستقلال الذاتي في علم النفس بمفهوم "قدرة الفرد العاقل على صنع قراره الذاتي أو قانونه بنفسه من دون تدخل من أي طرف آخر سواء كانت الدولة أو المجتمع. ويتم استخدام هذا المصطلح للإشارة لتحديد المسؤولية الأخلاقية لتصرفات الفرد". وذكرت الاستقلال الفكري على وجه الخصوص هنا، للإشارة إلى أن فكر الإنسان السليم القوي القويم هو ما يحدد قدرته على صنع قراره، فالذي يقرر بناءً على مبدئٍ ثابت وقيم راسخةٍ لا يمكن أن يغيره شيء ولن يصبح لعبة خفيفة يتقاذفها هواه أو ألسنة الناس. والمبادئ التي تبنى على أساس متين يتمثل في القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي التي يمكن للإنسان أن يكون قويًا بها، ومستقلًا بفكر سليم وعقل متفتحٍ على الحقائق ومتسلحٍ بها.

ختامًا، تذكر أن ما يُحدث الفرق في حياتك عن حياة الآخرين هو خطابك لنفسك، وطريقة تعاملك مع الظروف التي تمر بها لا الظروف نفسها. انتبه لحديثك مع نفسك وما تظنه بها، صوتك الداخلي أكبر مؤثر على تحركاتك، ازرع فيه المسؤولية الذاتية والمسؤولية المجتمعية لتكون المؤمن القوي الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسعَ لتكون ذا أثر طيب. تذكر أنّك امتداد أفكارك لا نتاج معاملة سيئة تعرضت لها في طفولتك. لا تتعذر بالظروف، ولا تسمح لأحد أن يختطفك. لا تجعل آراءك رهينة المشاهير والحكومة، تسلّح بما تستطيع من علوم. اقرأ، اقرأ، اقرأ ثم اكتب وقرر ماذا ستكون وفي أي صف ستقف.  

أروى بنت عبدالله
١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م. 

الأحد، 13 مايو 2018

رسالة | إلى كل طالب جامعي أو مدرسي أو حتى خرّيج ..


كنت أفكّر لوقت طويل بالأرقام، بالدرجات بشكل أوضح، بقائمة شرف العميد، بنِسَب الثانوية، وفرق أرقام ما بعد الفاصلة في معدلاتنا الجامعية. 
ترنّ في أذني كلمات أبي وقت كنت غارقة في بكاءِ ما بعد نسبة الثانوية، إلى أين وصل هو بنسبته وإلى أين وصل آخرون، كيف أن النسبة منحتهم البعثة الأولى وسجنتهم في جدران وظيفة واحدة إلى الآن، وكيف أن دراسته الأولى التي لم يجعل لها المحيط اعتبارًا أخذته منها إلى الماجستير والدكتوراة والمحاماة وكل شيء. كيف أن رزق الله لا يرتبط حين يكتب للإنسان برقم محدد، أقرّه فكر المجتمع أو سياسات التعليم. 
أتذكر أيضًا كلمات البروفيسورة التي زارتنا في محاضرةٍ ما وراحت تعدد لنا بعض طلابها الذين درّستهم في الجامعة، وقد كانوا يومها أساتذتنا في الكلية، كيف صرّحت بأن الأستاذ فلان كان متميزًا والأستاذ فلان كان بين بين. ومع ذلك، كنّا نُجمع على أن الرقم لم يكن كل شيء، لأن صاحب معدل ٤ أستاذ في البرنامج التأسيسي، يحترم طلابه ويحترمونه كثيرًا، وهو كاتب مقالات في موقع ما. والطالب الذي تكلمت عنه بنظرة استصغار وقد كان أستاذنا في نفس الفصل، أكمل درجة الماجستير، له مشاريع حرّة ناجحة، ومشاريع تعليمية في محيطه وفِي المؤسسة التي يعمل فيها. نحترم الأوّل كثيرًا لأنه بحر في مجاله، ونحترم الثاني كثيرًا أيضًا لأنه واسع الاطلاع ومجرّب في مجاله. 
لم يكن للرقم ولا لنظرتها العقيمة أهمية أبدًا، لأننا ندرك تمامًا معنى أن يحقق الإنسان نفسه حيث يراها لا حيث يريدها الآخرون، حتّى سخرية الطلاب لم تتوقف من نظرتها للأمور وضربها مثالها العقيم في معلمينا. 
مررت اليوم على اقتباس تقول صاحبته: "‏أنت مسروق. حياتك أرقام، تقيس كل شيء بمنطق الرّبح والخسارة.. خسارتك الحقيقية أنك لم تخسر شيئًا، وامتلكك كل شيء". 
عادت سيناريوهات كل ما فكرت به في لحظة، لقد كنت أتساءل بداءة هذا الفصل، وأخير نفسي بين أن أكون جدارًا بمعدل 4 أو إنسانًا طبيعيًا بمعدل 3 وفواصله، اخترت أن أبقى كما أنا، لا أتحمل فكرة أن أكون آلة بيد الأرقام والألسنة، لكنني عزمت ككل مرة أن أرقّع النقص حيث وقع وأن أطوّر من قدرتي على الموازنة بين الأرقام والحياة. 
كنت أتحدث مع إحدى الصديقات عن هذا الأمر أيضًا، بعد اختبار مادة الإحصاء يوم الخميس، ساءها ما ساءني من أخطاء غبية وقعنا فيها في الاختبار، كنّا نعددها ونضحك عَلى أنفسنا، هل معنى هذا أننا لا نكترث؟ أو أن الأرقام لا تهمنا حقًّا؟ هل تعمدنا الخطأ ودخلنا عابثين ثم خرجنا دون أن نراجعه؟ هل رضينا لأنفسنا الدنى ونحن نؤمن أن العلياء قريبة جدًا وكنّا على الهاوية لكننا اخترنا السقوط؟ لا يمكن، بل يستحيل الأمر. لكن؟ "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" هل جعلنا هذا نتواكل؟ لا والله، سعينا وسهرنا ليالي طويلة، صلّينا الفجر وتوجهنا إلى الكلية من السّادسة، نراجع بعض الدروس لأن الاختبار صباحًا، "وقل اعملوا فسيرى الله" يعلّم الله ما لا يعمله أستاذك، ولا والداك ولا أصحابك. يعلم الله ما تعمل. 
آمِن أن ما بين يديك هو رزقك المكتوب وما سعيك إِلَّا سبب وصلت به إلى ما كتب لك، واشكر الله عليه، اشكر ليدوم عليك فضله ويضاعفه لك "لئن شكرتم لأزيدنكم" وعدك الله بالزيادة فلا تتخاذل ولا تعجز، قل بعد معرفة كل درجة اللهم لك الحمد حتى ترضى ولَك الحمد إذا رضيت ولَك الحمد بعد الرّضا. 
كن عونًا لزملائك، أحبّ لهم من الخير ما تحبه لنفسك، تذكر أَنَّكُم تخوضون رحلة العمر، لا سباق فوز وخسارة، فوزكم واحد وخسارتكم واحدة، لأنكم بنيان مجتمع واحد وأمّة واحدة، لا تأخذك نزعة الفردية والأنانية عن قول كل ما تعرفه لمن حولك، ولا تنتظر منهم خيرًا وإحسانا، احتسب وقتك الذي تقضيه بينهم في مدارسة العلوم لوجه الله، "لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا" أخلصه لله، لله فقط. 
انتبه لأقدامك عندما تخطو إلى قاعة المحاضرة أو الاختبار، حاول أن تلحظ التفاصيل الصغيرة هذه، وجدد فيها نيتك، طلبُ العلم كالصّلاة، فريضة. أخلص سعيك لله ولا تأخذك المراكز مأخذ غرور، قدّم مصحفك على كل كتبك، استفتح به مراجعاتك ليزهر في قلبك ربيع الذكّر وتنتعش نفسك باسم الله، "ففهمناها سليمان وكلّا آتينا حكمًا وعلما"، رددها ما استصعب عليك أمر ولا تسخر من نفسك ولا من فهمك عندما يتعسر عليك ما تيسر للآخرين، درب الصاعدين الذي تسلكه لا يُرقى بالسهولة التي تتخيلها، فجاهد نفسك.    

 اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، ربي يسر لي أمري واشرح لي صدري واحْلُل عقدة من لساني يفقهوا قولي. 
💙
أروى بنت عبدالله 
١٧ شعبان ١٤٣٩ هـ. 
٠٤:٠٥ م | ٣ مايو ٢٠١٨ م. 

الأحد، 19 فبراير 2017

كتب؟ ريحان صغير ..



نعودُ .. تُعيدنَا الذّكرى إليكِ. 
تسارعُ نبضِ القصيد، يشعلُ في أرواحنا حطبًا لا تحرقهُ نارُ الشّوق مهما اشتعلت. يغرسُ نفسه فينا كسَيفٍ خشبي، يخيّل إليه سرعته دون السيوف المعدنيّة القاسية. وينجحُ في الدخول، حتّى إذا ما جاوزَ الرُّوح التي استقبلتهُ عن قناعة، انغرس فِيهَا أكثر وكادَ يخرجُ من ظَهرِ النّصِّ الذي لم تهلكهُ الحروفُ لأنّه لم يطلبهَا شيئًا ولَم تطلبه. إذ لم تكُنِ العلاقة بالكتابة فيّ مشروطةً يومًا. 

لا يبدو عليّ المكانُ غريبًا أبدًا، رغم كمّ الغياب المعروضِ في تأريخِ ما سبق من نصوص. أحضرتني هنا أصابعي قبل يومين، ثمّ أحضرتني قصيدةٌ مسموعة، قست عند غرس لحنها الذي يتمثل في صوتِ حزنٍ قديم، أكثر من السّيف الخشبي. 


المعرض الثالث على التّوالي، بلا قائمة. 
الأمر أكبر من مجرد قراءة الكترونية. 
الهُراء المنتشر أكثر من الثراء الأدبي الذي نعرفه وتضنّ به علينا المكتبات العربية القريبة، يجعلنا بعيدين حتّى عن المعارض الدولية التي تعرض ما يعرض في معارض الكتب الصغيرة التي تقام في مؤسساتنا التعليمية، ومتاجر الكتب الالكترونية التي تعرض الكتب بمبالغ أقل وخدمات توصيل مجانية. 

حسنًا، 
لستُ هنا لأن موضوع الكتب وكثرة النصائح التي تنتشر حولها يستفزني، لم أعد أكترث على الأرجح. فليقرأ من يقرأ ما يريد، وليعش العالم المسرحية التي تصنعها سفاهة الإعلام وحِيل التسويق. 


لقدُ زَرعتُ في قلبي شتلةَ ريحان، عوضًا عن شتلات النعناع التي كانت تموت أمام عيني دائمًا لأنها داخلي، وعن الرّيحان الذي كان خارجي تقتلهُ الشمسُ. لم يزهر بعد، لكنّه صحيحٌ بعيدٌ عن مصادر أي مرضٍ قد يقتلهُ، أكملَ شهرًا ولَم تطلب مني إرشاداتُ العنايّة أي تطعيم خاص. كانت مهمّة العناية صعبةً في البداءةِ ككلِّ شيء لا يتِّم بسهولة. الخوف على أوراق البوتس، جعلني أقضي يومًا كاملًا أجول فيه المواقع العربية والأجنبية بحثًا عن مرضها المفاجئ، الذي اعترف أخي في نهايةِ اليوم، بعد أن استئصلتُ الأوراق الثلاثة خوفًا على ما حولها، أنّه أحرقها. وضعتُها في اصيص مائي لعلّها تقاوم حروقها وتمدّ جذورها لتستمر حياةُ عودها الذي لم يقسُ بعد. لكنّها.. ماتت. ولا أنسى القلق الذي جعلني أهرع نحو شبكات المعلومات عندما انحنت سيقان الرّيحان إلى الأسفل من منتصفها، ويكأنها تعزمُ ركوعًا تامًا. تذكّرت بعد معرفة شرط أن تبقى تربتها رطبةً، أثناء البحث، أنني لم أسقها منذ يومين. 


لمَ قد أستمرُ في كتابةِ ما لا يشبه المذكرات ويشببها؟ ما لا عنوان له ويعنون لينشر؟ سأنام. وداعًا. 
٢:١٢ ص. | ١٨ فبراير ٢٠١٧ م. 


تتفتحُ في الرُّوحِ نوافذ، تمرّ منها نسائم رَوحٍ منتشيّة. تتلألأ في محاجرهَا ظلالُ قواريرَ تتكشفُ مِنْهَا ملامِحُ الحُسنِ الرَوحاني الذي تغنى بهِ شوقي: "صوني جمالكِ عنّا إننا بشرٌ، من التّرابِ وَهَذَا الحُسنُ روحَاني". البيتُ الذي تنكسرُ عِنْدَهُ ابتسامةُ الصَّباح، بسبب مجتمعنا الدراسي المختلط المقيت. المقيت. 

نعودُ .. وفِي الحنايا كمُّ ... 
- كم مرّة سأختمُ هَذِهِ الملاحظة؟ لا أعرف. 
٢:٣٨ ص. | ١٨ فبراير ٢٠١٧ م. 


أروى بنت عبدُالله 
٧:٥٣ ص. | ١٩ فبراير ٢٠١٧ م. 

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

بلا عنوان: لأنّ العناوين خُدعة..


صباحُ اليومِ جميل، لأن لي من آل جميل صديقة صدوقة. دعابة حقيقية. استسخاف في الكتابة من أوَّل اليوم؟ يا للهول. 

 بينما فقدتُ فرصةَ لقاء فتيات الحلقات للمرّة الأخيرة هذا الفصل، أراني جالسةً دون أن أكلّف نفسي حتّى عناء رفع عباءتي عني. على قارعة الطّريق كما خُيّل لي، التي تتمثّلُ في الحدِّ من درَجِ بابِ المنزلِ الأمامي. صوّرت لصديقةٍ مقطعًا صباحيًا في ال'سنابشات' ثمّ تذكّرت أنّ حسابها مُغلق. وجدتني حينها أصوّر جدران المنزل الخارجية. هل كنت ألتقط صورًا لأصدقاء الوهم الذين أحدثهم كثيرًا؟ لا أعرف. لا يهم، كل هذا لا يهم. 

"أنا بغدادُ يا عربُ، عروبتكُم غدَت عورة، سأصرخُ دونما خوفٍ، وأُعلن أنني حُرّة". حسنًا، لأعترف علنًا ولو مرّة! أنا   لا   أريد   كتابة   أي   شيء   مهم. وهذا مؤسف. في كلّ مرّة أرى نظرةَ اللاجدوى تستلذ توسعها في عيني تجاه هذا العالم، أستخفّ بكلّ شيء ولا أخذه على محمل الجِدِّ. لمَ قد نكلّف أنفسنا عناء رفع كلّ هذه الآمال على أكتافنا؟ أستاذ الفيزياء قال يوم أمس: إن حقيقة أن كلّ ما يحدث الآن على أكتافكم لن تتغيّر، شئتم أم أبيتم ستحملون كل هذا عليها، كله. يذكّرنا كلّ يوم بأننا لا شيء. ل ا  ش ي ء.  تمنّيتُ أن تَخَلُق كلماتُه صدًى قاسيًا يصِلُ إلى آذان كلّ طالب جامعي، يرى بأن الدراسة الجامعية نهاية المشوار المدرسي المقيت. يَقُولُ: آمنوا، أَنَّكُم لا شيء. اعملوا عَلى أنفسكم. حتّى شهادة التخرّج ليست ملعقة ذهبية ما لم يكن في سيرتكم غيرها. 
لمَ أقولُ كل هذا؟ لا أعرف ولا يهم أن أعرف. 
تبًا للعالم الذي يأكلني لأحمله مستقبلًا مُثقلًا بما فعل. من الجيد أن هناك من يصغر حين يكبر الآخرون. لكن من يدري؟ قد يحمل الصغار على رؤوسهم ما لا يحمله ألف رجل كَبُر على كسله، وألف امرأة نضجت على الترهات. الحقيقة كلّ الحقيقة، أن الأطفالُ الذين يشهدون على العالم استخدامه كلّ وسائل المّوت لقمع ذويهم بإبادتهم أكبر منّا جميعًا. 

مما لا يهمُ أيضًا، أنني لا أعرف ما إذا كنت سأرتكبُ حماقةَ نشرِ هذه المقطوعةِ المتضاربةِ أوصالها. أؤمن أنني سأندم على كلّ الحماقات التي لم أرتكبها، لكنني وحتّى اللحظة، لا أريد فعل شَيْءٍ منها. حتّى فكرةُ النجاةِ من الجلوس على قارب صغير تتصارع فيه الكتب بما فيها، في جو عاصف وسط بحر من الكلمات ليست مبررًا لرمي كلّ هذه الأرواح جانبًا ومواصلة المسير بلا روح. عليَّ التوقف هنا، أنا أعطي عملية قول كل هذا للعجاج استمرارية لا يستحقها شيء. وداعًا. 

١٢:٠٣ ص. 
٢ ربيع الأوّل ١٤٣٨ هـ. 
٢ ديسمبر ٢٠١٦ م.