الأربعاء، 13 يوليو 2016

رسالة طويلة | بلا وِجهة ..








أشعرُ بالكآبة. وداعًا. 











كدتُ .. أختمُ الرسالة حقًّا، وأرسلهَا هكذا. 
لولا أصابع البطاطا المقليّة التي أحضرتها أختي التّوة. أصابع؟ ماذا لو كانت أصابعي هي المقليّة وشجيرة البطاطا تلتهمها لتكبرُ وتصبحَ بطاطا تأكلها أنت؟ هل بدأت تتخيل الأصابع تطفو في مقلاة الزيت السَّاخنة؟ هل تحولت إلى *نقانق* بعظام يتطلب نزعها؟ أخرجها من خيالك سريعًا قبل أن تحترق وتُغصَب على أكلها حتّى لا تكون مبذِّرًا برميها :) .. 
دعك من أصابعي الآن. هي تشتعل حقًّا، ستُّ أصابع أربعة منها متقاطعة يتكئ عليها ظهرُ الهاتف وبين سلك السمّاعة وسلك الشحن خنصرُ اليمنى بينما يطير خنصر اليسرى في الهواء، بعيدًا. السبّابتانِ، كعمودي إنارةٍ، تقفانِ باستقامةٍ على جانبي هذه الشّاشةِ الصغيرة بينما تُمارس الإبهام وتوأمها رياضة القفز على الحروف المطلوبة. 
اشتعالها أقوى من عينِ الفرن التي كادت تذهبها طعامًا قبلَ قليل. عين؟ تشتعل؟ كيف؟ هل يمكن للنيران أن تكون في عينك؟ أن تخرج من عينيك؟ هل يبدو خيالك مضحكًا بسبب شكلِ السّاحر الذي قفز إليك فجأة؟ أم لأنّك تذكّرت تنين الطفولةِ ينفثُ نارَهُ؟ ماذا سيحدث لو أنك تنين؟ تطير بجسدٍ ضخم، وكلّ ما يحملك جناحُ بعوضة! ترفرف باحثًا عن شجرةٍ تحرقها أو أرنبٍ تشويهِ لغدائك. توقّف، السّلام كلّه فيهما. 
ملحُ عينيك الذي يتقاطر، كان مالحًا جدًا. أنا لا أُحبّ ال*كاتشب* لذا لا أستطيع تخفيف ملوحةِ هذه البطاطا بشيء، ماذا أفعلُ بها؟ هل أتركها في الطاولة؟ ستكون فكرة وجود طعام للعَابرين في الطاولة جيدة، لولا أن الأصابع ستتحجر. 

تبًا، حتّى عندما تحوّلت أصابعي المكوّنة من ملايين الأجزاء الدقيقة عظيمة الصنع إلى أصابع بطاطا مجمَّدة جاهزة للقلي/ كانت بلا جدوى. مالحة، متحجرة وتشعل خيالاتٍ مأساويّة جدًا. 


يا للسخرية! لعلّ أثر تكدّس المكنوز من الحروف ظهر بشكل واضح هنا، تصويرات وكلام بلا ... آسفة حقًّا لجعلك تقرأ كل هذه الترّهات أيها الزائر الغريب. كنتُ في الحقيقة أحاول التخلص من ثقل الحياة بهلوسةٍ عابرة، أردت الشعور بعدم الجدوى من تعويذةِ الكتابة، لوهلة. لكن تعلم أن ما نتخلص منه تخففًا يثقلنا أكثر. 

هه. بطاطا وأصابع مقلية، *نقانق/ كاتشب/ ملح* عيون تشتعل وتنين طائر. تبًا. كيف تنتقل الحروف بين الأزمنة بحُمقٍ هكذا. 

كنت أفكر بالموت، بِالشِّعْر والشُّعور، بالحياةِ. بعظمةِ الأثر ولطف الإله. بالمُعلمين واللُّغة. 
بـ ...
٢:٠٠ ص. 


سلام .. 
صباح الخير، 
كيفَ يمكن أن ينام من يفكر بتلك الأمور؟ من أنا؟ يبدو أن الهاتف انفلت وسقط علي دون أن أشعر بهِ حتّى، وجدتهُ ملتفًا حولي بأسلاكهِ، السّماعة لم تسقط من أذني. لا يهُم. كان يفترض بي بعث الرسالةِ وقتها لَكِن الآن لا أعرف حقًّا ما إذا كنت سأفعل أم لا، الصباحات يجب ألّا تُحمَّل كل هذه الكلمات. 

صباح يوم أمس، في هذا الوقت وقبله بدقائق. كُنت أبكي. العَجب يكمنُ في أنّ صباح ذات اليوم، من الصيف الفائت تمام الحادية عشرة ظهرًا، كنتُ أبكي أيضًا. ولأن لبكاء الصباح أسبابه، يشيب رأسي وأنا أفكر بالقَدر الذي منحني دموعًا تذرف مرارةَ فقدٍ مبكّر وحبًّا لذاتِ الإنسان! في حفل تخريج طالبات الدورة الصيفية في كلية العلوم الشرعية يوم كانت المربيّةُ العيسريّةُ ترعى الحفل، خرجتُ وهي تسلّم المُشاركاتِ شهاداتهنّ، خرجتُ اضطرارًا مرغمة. بكيت لأبي في السيّارة، ما بكِ؟ أردت أن أبقى حتّى النّهاية لم أصافح معلمتي بعد ولم أسلّم عليها حتّى. قال: من؟ قلتُ له: الأستاذة عزَّة العَيسريّة. قال: بسيطة، جيراننا وسآخذك إليها متى شئتِ. أخبرته مُذكِّرةً أن الأمر مختلف هنا، لا أُحبّ الزياراتِ الخاصّة، أُفضّل لقاء النَّاس حيث وجدوا. في أماكنهم حيثُ أزهروا وجعلونا نُزهر. مرّ عامٌ بالتّمام. على خروجنا من قاعةِ الدرسِ التي جمعتنا، صوتها، دروسها، نصائحها. وابتسامتها. ابتسامتها يا ربّ، و ا ب ت س ا م ت ه ا.  سلامُ الله على روحكِ. سلامُ الله على روحكِ. إنَّا لله وَإنَّا إليهِ راجعون. ... 


الحديث عن العظماء قاصر مهما بلغ، 
    والقصّةُ أكبرُ 
مِن كُلِّ حكايا الـ 
قَوْم، 
فالدَّمعُ يسابقُ،
ويفوزُ الدَّمع
وتفوزُ الدَّاعيَّةُ الفُضْلَى 
بقلوبِ الكلّ. 
بدعاءِ الكلّ. 

----- 

عن الرّسالة:
التي جاءت بلا عنوان واضح، بلا مقدّمات تحمل طعمًا لمستقبِلِيهَا. من يريد أن يقرأ ما أكتبه سيقرأ، حتّى لو كتبتُ حروفًا متلاصقة بلا معنًى. سيمرُّ عليها حرفًا حرفًا محاولًا إيجاد كلمة. 


علي الذّهاب الآن، 
سلام .. 

أروى بنت عبدُالله 
٨ شوال ١٤٣٧ هـ | ٨:٤٩ ص. 
١٣ يوليو ٢٠١٦ م. 
الأربعاء. 

الاثنين، 27 يونيو 2016

رسالة | من السُّوق ..



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.  
لا أجيدُ صفَّ الأعذارِ، وقد اعتذرتُ سلفًا عن حادثةِ تأخيرِ هذِهِ الرسالةِ الموقرةِ بسببِ عنادهَا. التي بقيت تصولُ وتجولُ في ذاكرتي وحتّى مخيّلتي حتّى هذه اللحظة التي أكتبها فيها. أفكر أحيانًا بإمكانيّةِ نسيانِ الأمورِ التي أكتبها، ما ألبثُ قليلًا حتّى أقول لنفسي: لا لا يمكن، الكتابةُ تجعلّها قابلةِ للتذكّرِ أكثر لأنها خُلدت مرصوصةً إلى بعضها. ثمّ لوهلةٍ أظن بأنها تخفف حِمل الذاكرةِ لتمنحَ المخيلةَ مجالًا أوسع وأوسع. وكلّ هذه الاحتمالات، ما هي إلا وساوسُ بشري، لم يجد ما يفعله في الحياة بأريحية تامّةٍ ودونَ تكلُّفٍ سوى الكتابة. 

لا أعرف حقًّا ماذا تريدُ مني الْحَيَاةُ ولا ما أريدهُ منها. بعد الأعوام التي بقيتُ فيها أقتاتُ كلّ شَيْءٍ من أُمي وأرتوي من عرقِ أبي. تبدو مواجهةُ المستقبل فكرةً مخيفةً تدفع بي نحو الشتات والحزن، وغامضةً للدرجةِ التي تغذّي فضولي. أراني في أحيان كثيرة، كقنبلةٍ موقوتة تكوّنها التناقضات والقلق. 


العاملةُ هُنَا تقرأُ مقالًا بالإنجليزية، وتسلّمُ على المارّة وتصافحُ النساء. يتوجسون منها خيفةً فيتجاهلونها، ما المخيف في امرأةٍ بتجاعيدِ وجهٍ تجعلنا نخمّن عُمْر خبرتهَا في الحياةِ، وفي يدها المتعطشةِ إلى يدِ عابرٍ يمسحُ على انحناءاتها بلمسةٍ خاطفةٍ جدًا. حدودُ نظّارتها الذهبيّة ذكّرتني بالأجدادِ وشخصيّاتهم التي تتقلبُ كثيرًا. أهي جدّةٌ بعيدةٌ عن خصلات شَعرِ أحفادها الصغار؟ 

قبل خروجي من المجمع التجاري، كنتُ أختارُ عصيرًا أروي بهِ عطشي وتعبي الذي بدا متلاشيًا لولا حسّه بعد تلك المحادثةِ السريعة. أخذتُ عصيرَ طماطم -متناسية كرهي الكاتشب، ومتعللةٍ بمذاق الطماطم الطبيعي-، قلت لأجرّبهِ بعدَ انقطاعِ أربعةَ عشر سنة، أي منذُ وفاةِ جدّتي التي تحبّهُ وتشربهُ كثيرًا. لعلّ السبب الذي جعلني أختارهُ، هو ما جعلني لا أفتحُ علبته حتّى فقدَ برودتهُ وحتّى اللحظةِ التي أغربل فيها تفاصيلَ ختامِ الرسالةِ هذه. 

يبدو أمر توجيه الرسائل العامَّة مريبًا. قد أتذكرُ شيئًا وددتُ لو كتبته بعد أيام أو أشهر. لكنّهُ ممتع، إذ يكشف لك جانبًا لا تعرفهُ عن نفسكِ بعد رؤية ما وَجَّهتَهُ للآخر، يومًا ما. 

دمتُم بودّ،
أروى بنت عبدالله ..
١٢:١٢ ص | ٢٥ شعبان ١٤٣٧ هـ 
الأربعاء ١ يونيو ٢٠١٦ م.

الأحد، 22 مايو 2016

الريحانُ مريض.



الريحان مريض. شتلات النعناع الصغيرة مريضة. لم أستنشق هواء العصريّات الذي اعتدته منذ ثلاث أسابيع على الأرجح، اخضرار عيناي تلاشى وما عدت أراه إِلَّا في الصور. 
أصابعي متجمدة وأنا أكتب هذه الكلمات من تحت بطانيتي عوضًا عن رفع نفسي وإقامتها لإغلاق جهاز التكييف بضغطة زر. 
الكتاب الذي بحثت عنه أشهرًا طويلة وانتظرت وصوله، علقت في صفحتهِ التاسعة بعد الثلاثين منذ خمس عشرة يومًا. 

القاعات الدراسية تلعب لعبتها في جعلي أواجه وجوه جديدة في ثلاث مقررات الفصل الصيفي الذي بدأ منذ أسبوع، واستنادًا لما رأيته من معلمِّي الجدد وجدتُ أن علي العمل على نفسي بشكل كلي. 

الاختلاط المقيت يزداد جرأةً يومًا بعد يوم، الحديث عن أدق الخصوصيات بين الجنسين أصبح مسموعًا للجميع بشكل طبيعي جدًا، ومقزز. 

التملص من المجتمع ليس صعبًا، اتخاذ زاوية في مساحة الاستقبال أمر سهل، الجلوس إلى طاولة في زاوية المطعم سهل أيضًا، كما أن المصلى فارغ لمن أراد قضاء استراحته فيه أو حتّى أخذ قيلولة. 

ومع ذلك، أجدني في أحيان كثيرة مجبرة على الجلوس إلى جماعة تفرض وجودها حولي أينما ذهبت، منها أرى أنني أكبر من أن أركن نفسي إلى رف في مكتبة أو أصيّرني سجادة صلاة، وأضعف من أن أكون شجرة تواجه أتربة مرتفعات بوشر والشمس الحارقة. 

مرّ الأسبوع الأول بكل فروضه وبدأ الثاني وأنا لم أفتح كتابًا لأدرسه بجديّة، كما لم أُقلب كتبي حتّى. المطالعة التي لطالما شُغفت بها تلعبُ الغميضة في مكانٍ ما. وأنا مخبوءة في أوراق مسوّدة مهملة لم أكلف نفسي عناء رفع غلافها وتحريرها. 

أرجو أن يكون فصلًا لطيفًا، وأن أعود تلك الفتاة التي تُخيف الناس بشغفها المفرط بالاطلاع على كل شيء، التي لا تفوّت أي كلمة تواجهها في الحياة لأنها تؤمن بأنها ستنفعها يومًا. 


أروى ١٥ شعبان ١٤٣٧ 
الأحد. 

الأحد، 1 مايو 2016

قراءة في كتاب #اختراع_العزلة لـ بول أوستر




موقف فقدان العضد الذي يستند عليه أي شخص في الحياة يحمل مشاعر لا يمكن الاستهانة بها. وهذا ما ظهر من بول أوستر وهو يحكي تفاصيل التفاصيل عن والده، بالرغم من كونه لم يعش معه اللحظات التي تعكس روح الأبوة. كتاب "اختراع العزلة" ليسَ رواية عابرة، إذ هو كتاب فكري يُحلل فيه الكاتب العزلة التي عاشها والده بصور شتى بدءًا من نمط حياته قبل زواجه وبعده وبعد انفصاله وعندما مات. 

بعد أن أنهيت الرواية وقبل قراءة كتاب الذاكرة الملحق في آخر الكتاب، التفتُ نحو أمي التي كانت جالسة على بعد سنتيمترات معدودة على يميني وقلت: يا لشجاعة بول أوستر! لقد فضح الحياة المشبوهة التي عاشتها جدته، ووارتها بتنقلها من أرض إلى أُخرى. حياة الشتات التي عاشها والده والتي قد تكون سببًا في تكوّن شخصيته الجافّة تجاه ابنه وابنته وزوجته والحياة من حوله حتّى. قد لا تضيف الشجاعة التي عاند بها أو العناد الذي تشجّع على إثره ونشر ما نشر إلى العالم شيئًا لكنّه عكسٌ لطبيعة الإنسان التي لا تتحمل السوء الفاحش الذي تعرفه بعد بحث طويل دون أن يكون بين يديها الخيار لتغيير شيء فيه. لذا فالطريق الوحيد المتاح أمامها لنقل الحوادث السوداء هو الكتابة، الكتابة الحرّة التي تجعلك ترى العالم بصورة حقيقية لا زيف إعلامي من كلام الجرائد المتداول، الجرائد التي نقلت براءة جدته وحزنها وأسفها الزائف.
حياة السّيد سام كانت لنفسه، الصورة التي تتبادر إلى الذهن سريعًا. إذ أنه لم يترك أثرًا يذكر لابنه بعد رحيله من حياته. ولم يتأثر من انفصال أسرته عنه لأنه لم يكن معهم منذ البدء. على الرغم من كونه يعتني بحي فيه مبانٍ له يأجرها لأُسر تعيل نفسها بصعوبة، يساعدهم في صيانة ما يحتاجون ويتساهل معهم في دفع قيمة السكن. إلا أنّه لم يكُن أبًا قط. حياته لا يمكن أن تختصر في كليمات هُنا وإلا لما كُتب الكتاب ذا أصلا. عاش بنمط معروف، متعلقاته التي ذكرها بول تصيب القارئ بالكحة لتكدس الغبار فيها، إذ كان يعيش برتابة تعكس داخله كما يظن من حوله، وذلك قطعًا بسبب المراوغة التي يعيش بها معهم.

 في النهاية أحسبني سأنتظر كتابًا آخر باسم السيد أوستر يقدّمه ابنهُ دانيال بقوله: هذه الحلقة المفقودة في شخصيّة جدي والتي لم يجدها أبي لأنه لم يبحث في حديقة المنزل عن أي مذكرات. إذ لم ينقل بول شيئًا حيًا عن والده، كانت كل الصور ميتة بشكل باهت جدًا. الكتاب من العيار الثقيل، نفسيًا وفكريًا. يستحق تقييم الخمس نجمات لولا بعض الشتات الذي يعكس الضغط الذي يمر به هذا الشاعر في "كتاب الذاكرة" الذي ختم به الكتاب.


أروى بنت عبدُالله  
23 رجب 1437 هـ
30 ابريل 2016 م
السبت.

السبت، 23 أبريل 2016

قراءة في كتاب #أسطورة_الكتابة كتاب ينقذ طفلًا




لا يخفى على أي مِنكُم الكاتب القدير إبراهيم نصر الله، الكاتب الذي أتحاشى حتّى اللحظة قراءة سلسلته الملهاة الفلسطينية. والسبب الذي أتعلل به دائمًا هو أنني لا أقوى على رؤية شجاعة ما يكتبه هذا الإنسان عن بشاعة ما يحصل في الأرض التي لا يعيشُ فيها قسرًا.

تتمحور فكرة الكتاب في جعل مجموعة من الكُتّاب يختارونَ طفلًا ويكتبون لَهُ رسالةً عن الكتابة. لا يبدو الأمر سهلًا للكثيرين إذ أنه لا علاقة واضحة بينهم وعالم أدب الطفل. لذا، فقد كان نجاح معظمهم باهرًا. إِلَّا أنّه من الطبيعي والمؤسف في آن، أن فيهم من فشل -تمامًا- في الكتابة. وقد اكتست رسائل محددة طابع المقال عوضًا عن كونهَا رسالة إلى طفل.

تأثّرت معظم الرسائل بالأوضاع السياسية المتوالية في العالم العربي، يظهر من ذلك أن الكُتّاب لجأوا إلى نقل صورة العصر الحالي إلى أعين الأطفال الذين سيصل الكتاب هذا إلى أيدي آباءهم، إن كان آباؤهم نجباء بما فيه الكفاية ليقرأوه على أطفالهم أو يعلموهم شيئًا مما فيه. وإلى الأطفال الذين سيقرأونه عندما يكبرُ فيهم شغفُ القراءة بعد أعوام وهم يتجوّلون في المكتبات ومعارض الكتاب بحثًا عن هذا الكتاب الذي سيبصّرهم بالعالم يوم كانوا لا يفقهونَ فِيهِ أمرًا.

الرسائل صادقة أكثر من المتوقع من كتّاب يجيدونَ نسج الحكايا، وصادمة في آن من الكُتّاب الذين أراهم سيئين أدبًا. لعلّ فكرة الكتابة إلى طفل جعلتهم يعودون إلى الفطرةِ السليمة التي كان من المفترض أن يسيروا بها في حياتهم الأدبية منذ البداية بلا مبالغة ولا تكلف في التناقض الذي لا يخالف فطرتنا كبشر أساسًا. إذ من منا لا يتناقض مع نفسه القديمة؟

حاولت ذكر بعض ما استوقفني حقًّا في الكتاب لكنني لم أستطع اختيار عدد معيّن مما فيه، إذ كلّهُ يكمل بعضه كنسيج لكن الرسالة التي راودتني فكرة بعث رسالة إلى بريد كاتبهَا كانت لمحمد ديريه وعنوانُها الكتابة في انتظار الموت، أردتُ حقًّا أن أخبره بأن رسالته كانت الأكثر عُمقًا، ولعلّ صديقه العربي الصغير سعيدٌ أكثر من أي وقت مضى لأنه رأى العالم في رسالة بُعثت له خاصّةَ. ورسالة يوسف المحيميد الموّجهة إلى زهرتي عباد الشمس/ هتون وهيام. كنت أود تأنيبهُ على رسالة ستكون سببًا لبكاء ابنتيه كلما قرأتاها مستقبلًا، بدت معتّقة برائحة ذكريات ووداع أكثر من كونها رسالة قد تحيي طفلًا بعد أن تنقذه بالكتابة، إذ ما الجدوى من إنقاذ طفل بالكتابة إن لم يكن ذلك الإنقاذ سببًا في جعله فاعلًا لا مجرد شخص مَنَّ عليه كتابٌ بالحياة؟ من الجيد حقًا أن اسم الكاتب يبدأ بحرف الياء، إذ كانت رسالته الأخيرة في ترتيب الكتاب وقد صنعت مسك ختامٍ مُذهل.

روح الطفولة التي ظهرت جليًا في رسالة بثينة العيسى، أمير تاج السر في رسالته إلى خالد، البكاء الذي استجلب دموعًا مع كل كلمة في رسالة إبراهيم نصر الله. رسالة كلمات  ملوّنة كأ جنحة الفراشات والصدمة اللحظية التي أصابتني عندما عدت أدراجي لأرى اسم كاتبها. الكلمات الأخيرة في رسالة إبراهيم عبدالمجيد ورسالة إبراهيم الوافي. الشفافية في رسالة علية عبد السلام، النار المشتعلة في روح غسان شبارو، الدّعاء الذي يرددهُ نورس مع أمّه قبل نومه. كلّها رسائل صنعت كتابًا سينقذ طفلًا مادةً ومعنًى. 


كتاب يجعلك تتساءل كثيرًا. وتدرك أكثر أن لكل بشري على هذا الكوكب خاصيّة لا يحركها شيء كالكلمات التي ستكون متفردة سلفًا إن وافق فطرته ولم يحاول أن يكون نسخةً منكاتب آخر. كونوا لإخوانكم وأطفالكم معولَ بناء، بجعلهم قراءً نهمين يبحثون عن المعرفة بين أرفف الكتب لا المواقع العنكبوتيّة فقط.
أروى بنتُ عبدالله
١٥ رجب ١٤٣٧ هـ
٢٢ ابريل ٢٠١٦ م
٢:٠١ ص الجمعة.

الأحد، 10 أبريل 2016

مغناطيس طويل ..




إلى القارئ الذي رأت عيناهُ هذا السطر: إذا لم تكُن واثقًا ما إذا كان هذا النص يستحق القراءة أم لا، توجّه نحو الفقرة قبل الأخيرة منه، اختصارًا للطريق وحفاظًا على وقتك. شكرًا لأنك هُنا، اليوم بالذات.


وصل اليوم الموعود، لم أكتب تدوينة متكاملة مُذ دخل هذا الشهر. لا أعرف حقًّا ماذا يَجِبُ أن أفعل بمَلَكةِ الكتابة. فكري مشغول بقضايا الوطنِ العربي، يتجول بين بغداد ودمشق، أجدهُ تارةً في ريف حلب وتارةً في درعا. كما رأيتهُ مرّةً واقفًا على شاطئ طرطوس يتأمل شيئًا ما، ويُفكّر بغابات الفرلق.

أفكر كثيرًا بالأدب العربي في أعين الأطفال، ولا يخفى عليَّ السببُ طبعًا، إذ للكتاب الذي أتجول في بساتينهِ دورٌ في صرفِ النظر إلى ماهية المادة المطروحة للطفل العربي. إنّ إنكاري للقب كاتب في حقّ بعض الكُتّاب لا يجعلني مخوّلة لاستنقاص المقال الذي شاركوا بهِ لإخراج هذا الكتاب، إذ أخرج قالب الطفولة المطلوب منهم طرحه، فطرتهم السليمة التي كان يجب أن لا ينحرفوا عنها ليصبحوا عظماء دائمًا، وليكونوا صادقين مع الكبار كما حاولوا أن يكونوا في خطابهم مع الطفل الذي اختاروا أن يكتبوا رسالةً له. 10 ابريل


 أتساءل كثيرًا: هل أقوى على خوض غمار القضية التي أفكر بجعلها حرب العالم التي أعيشها مع نفسي؟ هل سأستطيع الكفاح لتحقيق ما أريدهُ فيما يتعلق بحقوق الطفل في هذا العالم، بالكتابة؟ لن أعرف ذلك حقًّا إلا إن جرّبت السير في طريق ما من أجل قضية، قضيّة أراهَا تستحق من يحيا ليفُكّ عُقدتها المستميتة على هذا الكوكب. 9 ابريل


---------------------

سريعةٌ الأيام. قاربَ الفصل الدراسي على الانتهاء. لقد قابلت معلّمين جيّدين جدًا هذه المرّة، أرجو أن أقابل الثلّة المخلصةَ في عملها دائمًا. لأن المُعلم المتميزَ يَخْلُق جوًّا متميزًا لطلابهِ أيضًا. من المؤسف حقًّا، توديعُ الأرواح التي تأخذ بأيدينا إلى الأمام دائمًا. مهلًا، عليَّ أن أبقى في الزاويةِ الصحيحة من هذه الورقة، أنا لا أُودع البشر عادةً، فلمَ أتحدث عن الوداع؟

في خضمِ كلّ الأحداث التي تدورُ عليَّ بشكلِ متواصل كما تدورُ الأرض في محورهَا بلا توقف، أترقبُ يَوْمَ ميلاد مدونتي الصغيرة هذه. لستُ أُمًا جيدة ولا أظنني سأكون كذلك يومًا. لم أُجد الاعتناء بها ... 7 ابريل
لم أُدرك وقتها أن هذه الطفلةَ المُختالة تتطلب عناية خاصّة جدًا. كنت أهذي فيها بمصطلحات فيزيائية وأخرى كيميائية، أتذكر المتعة التي كنت أحصل عليها وأنا أكتب قصّة الهيموفيليا بمعلومات من الكتاب وأربطها بعُقدة تدعى نزف الأصدقاء. يبدو هربًا ذكيًا من واقع الحياة الذي حتّم علي الغوص في تفاصيله مع مقرر مادة الأحياء ذلك العام. 10 ابريل

---------------



التدوين، كلمةٌ كنتُ أعرفها فعلًا أجهلها اسمًا، عرفتُها فلازمتني حتّى اللحظة. لا أريد الكتابة عن الكتابة، الآن على الأقل. المشروع الذي عزمت على إنهاءه خلال الثلاث الأشهر الماضية، لم يتم. بل وانقسم إلى مشروعين منفصلين عن بعضهما تمامًا، على الرغم من أنني وضعت خطة مبسطة له، لعلّ بساطتها ألغته، من يدري؟ لا بأس لا أحب الخطط الدقيقة جدًا فيما يتعلق بالكتابة، من الأفضل أن أكتب مسودة أولى عوضًا عن طرح خطط ستُركن إلى أوراق أخرى وتدخل في سبات آخر. 2 ابريل

-------------

الشتات الذي حاولت تفادي ظهوره في هذه التدوينة بالذات، بانَ كثيرًا. كان يجبً ألا أفكر بالأمر، لكنني فعلت. كان يجبُ أن أكتب شيئًا يستحق أن يُقرأ على الأقل، أو شيئًا يطبطبُ على كتفِ المدونة التي أخرجها طيشي وعبثت بها أطرافُ أصابعي. من الخطأ أن أستصغر ما كتبتُ هُنا، من الخطأ أن أقول ذلك حتّى، لكنني أفعل الآن. كنتُ أقول لنفسي قبل قليل: سأُسجّل هذه الملاحظة في مكانٍ لا أنساهُ أبدً، حتّى أتمكن من قولها يومَ أُصبح كاتبةً حقًا: أنا كاتبة لكنني أؤمن بالأفعال أكثر من الكلمات.

أحتاجُ وسيلةً كرتونيّة سوداء، وأربع مساطر مغناطيسيّة طويلة. أحتاج مقالًا لا يقل عن صفحتين ولا يتجاوزهما، باللغةِ الإنجليزية. لا أعرفُ عم أريده، القراءة؟ حقوق الأطفال؟ تاريخ العراق؟ الجزائر؟ الاقتصاد العُماني؟ ماذا؟ ما المشروع الذي سأقدمه للأستاذ التونسي بعد غد؟ وما الذي سأقوله في عرضه؟ 
هذا ما يجبُ أن أفكر بهِ الآن لا المدونة. لكنني قطعًا لن أفصل عالم الكتابة الذي أعيشهُ مع نفسي فقط عن العالم الحقيقي الذي يشاركُنيهِ كُثُر. بالمناسبة، إنّهُ تمام عامها الثاني. وداعًا. 

أ ر و ى بنت عبدُالله.
3 رجب 1437 هـ.
10 ابريل 2016 م.
الأحد.

تبدو لي تدوينةً سيئة، يجبُ أن أكتب أخرى. صحيح؟ 

الثلاثاء، 22 مارس 2016

لا استراحة للمُحارب ..




قلتُ في تويتر: وقت الفراغ قاتل بعد ضغط عمل. رغم تحفظي فيما يتعلق بلفظ "الفراغ" والذي دائمًا ما أتحاشى استخدامه بسبب كتابٍ اقتنيتهُ من خيمةٍ للكتبِ المستعملةِ وسط سوقِ إربد على زاوية ساحةِ الخيولِ هناك منذ ثمانِ سنوات، عنوانه "لا وقت فراغ في حياة المسلم". أشعرني بأن الفراغ الذي يتسلل فجأة قد يتسبب بموتي، أو تدمير بنيان علمي كنت أعمل عليه. أقلق كثيرًا من كل وقت فراغ يمر علي وأهرب منه بالقراءة، أو مجالسة الجمادت في حال لم أكن في المنزل. لعلّ أجدى ما فعلتهُ في هذه الحياة لنفسي أو لحياتي: التخطيط. أعترفُ بأني لا ألتزم بالخطط التي أكتبها وأرسمها وأعكف على غربلتها. لكنني منذ أمدٍ بعيد جدًا أحاول جاهدة الالتزام بها. 

أستطيع أن أقول الآن بأنني وجدت الطريق الذي كان يفترض بي السير فيه منذ ذلك الزمن، قبل عام من الآن، حين كنتُ طالبة في جامعة نزوى. أدركت أهمية أن يكون للحياة التي أعيشها معنًى. كُنت أستشعر كلّ يوم المسؤولية الملقاة على عاتقي للاعتناء بنفسي، يجبُ أن أستيقظ بمفردي كل صباح حتى لا تفوتني حافلة الجامعة. الآن، أنا فخورة بنفسي لأنني استطعت فعل ذلك على مدار فصلين دراسيين كاملين. كان يجب علي أيضًا أن أُطعِمني، كانت هذه أصعب مهمةٍ وقتها، أعترف بأنني أكره أن آكل بمفردي، أفقد شهيتي تمامًا. لم يكُن من الصعب على فتاة مثلي الطبخ، أحسبني جيدة بما فيه الكفاية لفعل ذلك، لكنني كنتُ أكره أن يُعتمد علي في الطبخ لشقة تعيش فيها سبعُ فتيات غيري.
كان يجب علي أيضًا ملءُ كل الثواني التي كنت أقضيها مع والدي في الطريق إلى المدرسة بشيء مفيد وأنا في الحافلة بمعدل لا يقل عن نصف ساعة صباحيّة يوميًا، حتّى أنني أحصيت عمري الذي سيمضي في الحافلة ذهابًا وإيابًا إلى يوم تخرجي، كان الناتج شهرين أو ثلاثة تقريبًا. لا يمكن أن أحتمل المكوث كل ذلك الوقت لو لم يكن مقتطعًا. ارتعشت حينها وبدأت أبحث عن شيء يقرّبني من الجنّة أكثر، حتّى لا يضيع عمري في الحافلة. كنتُ أُراجع حفظي صباحًا، وأقرأ كتابًا الكترونيًا مساءً أو أنام، طوال الفصل الأول. وفي الفصل الذي تلاه، اخترعتُ لنفسي منافذَ كثيرة، كنت أتخذ بعض الأيام للدعاء فقط، أدعو كثيرًا لوالدي، اخوتي، أصحابي وكل من أعرف، حتّى أنني في أحيان كثيرة أمرُّ على قائمة الأسماء في هاتفي. كان الأمر ممتعًا، أشبه بسعادة مُرسلة لا يعلم عن زمانها ومكانها ومضمونها غير الله. كان هذا أكثر فعل يدعوني لأبتسم طويلًا كلّ صباح، أبدأ يومي بصدر منفتحٍ منشرح.
ولأنني أقضي جُلّ وقتي مع صديقتي الحبيبة في المنزل، كان يجبُ علي إيجاد سدادة أخرى للعُمرِ الذي كنتُ أقضيهِ مع أُمي، بشيءٍ آخر. لم يكُن لي ملجأ غير الكتب. لكنني في أيام الضغط والتعب، كرهت القراءة وكرهت وجودَ الكتب في كل مكان في غرفتي في السكن، في خزانة ملابسي، على طاولتي وداخل حقيبتي. أتذكر أنني كنتُ أستمع للكثير من الترهات وقتها، كان في هاتفي أكثر من خمس مائة مقطع صوتي، أسمعها بلا وعي والسماعات بأعلى مستوى للصوت تصرخُ في أذني. كنتُ مهوسةً بهاتفي، كان جزءًا مني، جزءًا يكرهه الجميع لأنّه لا ينفك عني أبدًا. كان ملاذي الآمن من كل شيء حولي، من الخوف الذي يعتريني مساءً بسبب نافذة غرفتنا التي تطل على مقبرة. لم يكن خوفي من المقبرةِ ذاتها، بل من التهاون في كل شيء عند الفتيات حولي، اللاتي يقطُنَّ في سكن الطالبات هذا، مقابل الأراضي الممتدة أمام أعينهن بأحجارها المقامة على رؤوس وأقدام الموتى. 


في خضم تلك الحياة التي كنت أعيشها، لم أشأ أن أكتب الحُزن وأسطر الدموع، لم أكن من المتذمرين أبدًا. حتّى أن بعض الزميلات كُنَّ يسخرن من اجتهادي في المرحلة التأسيسية في الجامعة، كنتُ أستمتع بالتحديات التي أضعها لنفسي، وأعيشها كلّ يوم وأنا سائرةٌ في درب لا أعرف إلى أين سيأخذني. كانت الإيجابية التي تضع غشاءها الشفاف بيني وبين مساوئ العيش بعيدًا عن العائلة التي لم أغادرها قط، والتي أرفض أن أبتعد عنها ساعةً بمفردي أو ليلة عند أي أحد من أقاربنا مُذ كنت طفلة، ثقيلةً على صدري كثيرًا، كنتُ أتنهد كثيرًا جدًا كما أفعل الآن وأنا أكتبُ هذا النص الذي كان من المفترض أن يكون عن التخطيط، لكنهُ انحرفَ نحو سرد عقربٍ صغير في ساعة زمنية أجبرتني أن ألتزم بالخطط التي أضعها حتى لا أضيع في الحياة ويضيع عمري فيصبح هباءً منثورًا.

إنَّ الحقيقةَ التي يهربُ منها البشر، هي أن الوقت لا يمكن أن يتوقف لحظة أو يعود. إما أن تتدارك نفسك وتقتسم من عمرك وقتًا لتعيد ترتيب نفسك وحياتك بكل ما فيها من جوانب. وإما أن تبقى بكاءً شكاءً وتُضيع من عمرك المزيد. تأمل اللحظة التي تقرأ فيها هذه التدوينة التي اقتسمتُ لها من عمري وقتًا لتُكتب، واقتسمت أنت لها من عمرك وقتًا لتُقرأ. جرّب تقسيم يومك بكل ثوانيه، وانظر أين أنت وكيف يمضي عمرك. قف قليلًا وتأمل عقارب ساعتك، أو افتح مؤقت هاتفك وانظر إلى الثواني التي تمضي أمامك، استشعر أنك تفقدُ شيئًا ثمينًا لا عودة له، تحسس نبض قلبك مع مرور تلك الثواني، فكّر بالشيء الذي سيفقده العالم إن فقد شخصًا مثلك. وأخيرًا اسأل نفسك: ما الذي سيموت معك من الأحلام؟ ما الذي سيموت معي من الأحلام؟ 


أروى بنت عبدُالله.
13 جمادى الآخرة 1437 هـ.
22 مارس 2016 م.
الثلاثاء 11:30 م.