الأربعاء، 14 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (١٤) جِسْر من الأفكار..


عن الوقتِ الذي يتسلل فيه شعور الليلةِ الأولى والصّباح الأوّل. عن وخزةِ الجُوع الأولى، وما تحدثه من فراغ غريب. يوم يتخلله استشعارٌ لهدوء الأَرض، واختلافِ النسمةِ والسكنة. تتبدّى فيه البركاتُ تباعًا زمانًا ومكانًا، ويتنزّل فيه من الخير انشراحُ الصّدور وتوّسع البصيرة. تخطو فيه الأرواح مشتاقة توّاقة، يستشعر به القلب وجوده ونبضه الذي تخفف بالخلو من كل أمر فلا يثقله عن المسير إلى الله شيء. 

 ما أعظم شعور أن تقرأ وردك من القرآن مستحضرًا عظيم الثواب ومدركًا أنّ المجاهدة ثمنُ الأعمال والأجور المضاعفة، فتبدأ ختمة جديدة، وتتابع مراجعتك للمحفوظ. 

...

وبالرغم من كلّ تلك المشاعر الاستثنائية، لم يتوقف الرّكض في مناكب الحياة ولم تهدأ وتيرته ولو قليلًا. غدًا تسليم البحث، الإثنين عرضه، الثلاثاء تسليم بحث آخر والأربعاء عرضه. عكفت على إنهاء الأعمال في المكتب الشّهر الماضي، وهجرت تلك الأبحاث إلا قليلًا، عليه فإن النتيجة الحتمية للأمر أن أعتكف عليها ويدور فلكي حولها فقط، حتّى أتمه في الموعد. لكن هذا الأمر بات مستحيلًا الآن.. 

وتذكرت هنا قولًا قرأته لروبن شارما قال فيه: "إنّ كلّ ما يُضاف إلى الذّات هو عبء مثلما هو مفخرة". ويجعلني هذا أتأمل في فكرة طرحتها في وقت سابق مع الصّديقة الزهراء، عندما تحدثنا عن خياري العمل والدراسات العليا. 

حدّثتها عن المرحلة التي يصل فيها المرء إلى نقطةٍ يشعر فيها أنّه ممتلئ، نهل الكثير، وأخذ أكثر مما أعطى. فيقصد طريق البحث عن عمل، ليفرّغ جزءًا مما تكدّس في داخله، ويقدّم للآخرين شيئًا مما أخذ، أن يعطي ويبذل ويقف مسؤولًا عن أعماله وعملاءه ويطوّر خدماته. 

وعن المرحلةِ التي يرى فيها المرء نفسه متعطّشًا للمعرفة، لا يريد أن تتراجع همّته في الطّلب، ولا يريد أن يتواضع ويرضى بالمستوى العادي الذي وصل له في مراتب العلم. فيتّجه ليغذّي عقله ويتابع بناء أفكاره، يجالس معلّمين جددًا خاضوا في المجال من التجارب ما يضيف إليه وإلى رحلته مغانم كثيرة. 

ولأنّ في الطّريقين ما لا يتغذّى إلا بالمرور على جِسرٍ من التّعب، على المرء في كليهما أن يحتسب أجره ويجدد نيّته؛ ليجد بعدها قوّة فكريّة وعلميّة وعمليّة يحسّ بها كما يحس بقوّة لحمه ودمه من جسمه. 

وأذكر هنا قولًا للرافعي، حيث وصف شيئًا من اللذّة بقوله: "ساعة الرّاحةِ بعد أيّام من التّعب، هي في لذّتها كأيّامٍ من الرّاحةِ بعد تعب ساعة". ولطالما منّيت نفسي بساعةِ الرّاحةِ تلك، فقلت لا بأس بتعب البدايات، بشهرين من الشدّة وآخران تصحبهما متعة إنجاز ما تم قبلهما وبعدهما يأتي رخاء الاستقرار في العمل. 

وقفت فجأةً كمن صُدِمَ بجدارِ فكرةٍ يؤمن بها، ألم نقل أن جمال الرحلةِ ومتعتها في الطّريق لا الوصول فحسب؟ عمدت بعد تذكّر هذا إلى قاعدةٍ سِرتُ بها الشهرين الماضيين، وهي: لا عمل ولا دراسة يومي نهاية الأسبوع، لا الجمعة ولا السّبْت. كنت فيهما أقضي كُلّ الوقت، كُلّه، في القراءة. أعيش مع الكتاب حياةَ من ليس له شغل غيره، أعود بعدها يوم الأحد وأنا مستعدة تمام الاستعداد لبذل كلّ الوقت بل وزيادة لإتمام الأعمال وحضور المحاضرات بذهن متفاعل فاعل. 

أتأمل الفكرة اليوم وأفكر، رمضان هو هديّة الطّريق الذي نسير فيه عمرنا كلّه، هو نهاية أيّام الأسبوع تلك لكنّ العداد أكبر وأوسع وأشمل فيه. ما الأمور التي تماثل العمل أو الدراسة في الصّورة الأكبر لحياتنا؟ ممَ نتخفف بعد أحد عشر شهرًا من السّعي الحثيث؟ ولمَ كنّا نسعى وننصب كلّ ذلك الوقت؟ إن في الخِفّة والبركة التي ميّز الله بها هذا الشّهر، تيسيرًا للمعسرات، وهو ما تمنحنا إيّاه بشكل بسيط الأيّام التي نقتنصها أسبوعيًا. ومن هنا أعود لما قلته في البداية، عن الشعور العظيم الذي تمضي به إلى الله مدركًا أنّ المجاهدة في هذا الفصل الخاص من حياتك، ثمن الإعانة على أعمالٍ مضاعفة الأجور، لا يعينك ويقوّيك على كلّها إِلّا الله وحده. لتبلغ بذلك كلّه قول المنعّمِين القائلين ﴿الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي صَدَقَنا وَعدَهُ وَأَورَثَنَا الأَرضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ نَشاءُ﴾..  

أروى بنت عبدالله 
١ رمضان ١٤٤٢هـ
١٤ ابريل ٢٠٢١م 



الثلاثاء، 13 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (١٣) مُستَرَاح..


هنيئًا لنا جميعًا هذا المُستراح، هنيئًا لنا بلوغ خَير الليالي، أطرافُ نورٍ تتراءى للقلوب، تضيء لها الدّروب لتشحذها بالجدّ إلى العلياء. "عجبًا من طامع في الجنّة، فتِحَ البابُ ولمَّا يدخُل". قدّم يمناكَ وادخل، ادخل بألحان السّعد في روحك، وجذوة السّعي إلى الفردوس،  ادخل موسم العفو، مستشعرًا أنّه فرصة العمر، شهر يعتني فيه المرء بروحه. ثلاثون يومًا لاستثمارٍ عظيم يقدّمه كلّ فرد لنفسه، زمان العمل الذي يرفعك في الدنيا والآخرة. 

مضى عامٌ كامل، بقيت في أثناءه أستذكر رمضان الفائت، أحمد الله عليه ليلَ نهار، أتنفس عميقًا بتلك الذكّرى وبالعَمل.. كانت أيامًا مباركةً جدًا، بفضلِ الله الذي وفّقنا لنظام اتبعناه جميعًا في المنزل، والتزمنا به معًا. كانت أبرز اختلافاته الرَوَاح الذي يصحب صلاة التّراويح وركعات القيام لنَا جمعًا وفرادى، حين تحوّلت المكتبة إلى مصلًى نتعاهد على وجودنا فيه. مقرّ صلوات الجماعة التي ما وقفت منذ أغلقت المساجد حتّى اللحظة، وحلقات التلاوة الجماعية، عن سجدات التلاوة فيه ولذّة شعور الختمة العائلية في العشر الأواخر. أتحدّث عمَ؟  عن السّهر الطّويل الموصول بالنهار إلا قليلًا، بين أوراق الكليّة وبحث التخرّج، عن الليلةِ التي قضيتها أسجّل عرض البحث النهائي. عن البرنامج الوحيد الذي تابعته وعشت معه تفاصيل ومشاعر عظيمة جدًا، "قدوة"، للشيخ فهد الكندري، عن رسول الله الحبيب ﷺ. 

وهاهي ليالٍ جديدة، نسأل الله أن يكرمنا بها ويعيننا على قيامها، فضل عظيم أعاده علينا وبلّغنا غرته ونسأله أن يبلّغنا تمامه، ويجعلنا من الذين يقتربون من الفردوس زُلفى وينالون العتق من النار. عن العهود التي قطعنها إلى أين صارت وماذا تحقق منها، عن الدّروب التي عزمنا السّير فيها هل أكملناها أم توقّفنا؟ أشعر هذه المرّة بميلادٍ جديد لكلّ اللحظات المباركة، لكلّ التغيرات التي حصلت، وأتساءل في داخلي عن كرم الله وعظيم فضله مجددًا، لقد منّ علينا برمضان آخر، بأيّام استثنائية أخرى كلّ مع أسرته وفي منزله. أيامٌ يُعاد فيها ضبط البوصلة في المنازل. تغرس في أرض السّائرين إلى الله بذورًا جديدة، تظلل طريقهم. 


أروى بنت عبدالله 
٢٩ شعبان ١٤٤٢هـ
١٣ ابريل ٢٠٢١م

الاثنين، 12 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (١٢) عن رجُل أحبّه..

 


مرّت عليّ الصّورة وأنا أتصفح تويتر ديسمبر الفائت، مرفقة مع بيت شعرٍ قال كاتبه:
"له مجلسٍ من ثقلت همومه نصاه
‏   دكو خطاطيره هدب … زوليّته".

عَلِقتْ، لم أستطع تجاوزه حتّى هذه اللحظة، شعرت بانفجارٍ في داخلي، عندما أرسلت لَيْلى ابنةُ خالتي صورةً لجَدّي رحمه الله. لأنه سبب وقوفي الطّويل على ذلك البيتِ وتلك الصورة. 


رجلٌ هادئ، يعملُ بتفانٍ في مزرعته، يقصده النّاس لبثّ همومهم، ولحلّ مشاكلهم. رجلُ سَمح سليم الصّدر، لا يعرف قلبه أيّ معنًى للبغضاء أو الحقد رغم أنّه لم يسلم من النّاس.

 كان مُحسنًا، يسير في الدّرب فيخضرّ موضع قدمه فيها. قويّ البنيّة، يغرِسُ بيديه ويمرّ على زرعه شبرًا شبرًا يحصده. كريمُ اليدين سخيّ في عطائه، لا يأكل من ثمر جنّته إلا وزّع منه على أهله وجيرانه وأصحابه. 

صالحٌ مُصلح، حَفِظَ الله له قلبه وجوارحه عن النّاس، فحفظها حِفظَ مؤمن أمين صادق مع ربّه الذي أكرمه. رجلٌ أرادَ الآخرةَ وسعى لها مؤمنًا. لبيبٌ رزقه الله الحكمة، ففاض بخيرها الكثير على من حوله. بسيط بسط الله له الخير، وأنار له دروبه بالهدى والتقوى. 

قد يبدو قولي للأقربين ضربًا من زيف شعور، أنا التي خُلقت بعد بضع حجج من وفاته. لكن له في قلبي صورةً كطودِ الجبل الرّاسخ، ثَبَت على مبادئه فثبّت الله قلبه بالإيمان. لا يثيره من الأذى على نفسه شيء، لكنّه في الحقّ ولحدود الله يقوم شديدًا أحمر الوجنتين غاضبًا. 

اغترَبَ للعَمل، عاشَ بعيدًا عن دِياره وأحبابه، وفي كلّ رجوع له تكون عودته عودةَ من لم يغب أبدًا، يلقى الجميع طلق المحيا صفي الوداد. ساكن هادئ مطمئن في سكنه، لا يخرج إِلّا قليلًا، بين منزله في دارس ومزرعته في سعال ومنزله هناك مقابل جامع الإمام الصّلت بن مالك -رحمهم الله أجمعين-. 



من أينَ لكِ هذا يا أروى؟ 
من أُمِّي، أُمي التي تروي لي حكاياه، وتخبرني عن مواقفه، وتريني أثر محبّة النّاس له. حتّى سألتها مرّة عن جدّة في حارةِ سعال، لماذا تحبني هذه الجدّة كثيرًا وتُحبّك يا أُمي؟ فقالت لي: الأثر الطّيب لأبي رحمه الله. 
تشاجرت مرّة مع فتاةٍ في الحيّ في سعال، لم أتجاوز العاشرة من العمر حينها، ولم يقف أحد في صفّي، فهرعت راكضةً إلى بيت تلك الجدّة، كنت غاضبةً جدًا وأبكي، فتحت الباب على النساء في مجلسها وصرخت بما حصل، تعجّب الجميع من الحدث الذي أغضبني "الفتاة تغني بكلمات ماجنة والجميع يضحك عندما أطلب منها التوقف". بينما كان الجميع مشدوهًا، قفزت من مكانها وأخذتني إليها، محاولة إخماد النّار المشتعلة التي رأتها. والله، لا أنساها لها، لا أنسى غضبها على من أغضبني، ولا أنسى وقوفها بجانبي. وعند ذكر الموقف الآن، تذكّرت موقف الصحابي الجليل طلحة ابن عبيدالله عندما قام مهرولًا إلى كعب بن مالك -رضي الله عنهم- مصافحًا ومهنئًا، عندما دخل المسجد بعد نزول آيات التوبة، فقال كعب -رضي الله عنه-"لا أنساها لطلحة". 

وقد أثارت صورةُ جدّي اليوم في نفسي معانيَ كثيرة جدًا، ولا أنكر أن أحد محفزات هذا البكاء الذي أصابني وجعلني أواجه ذاكرة الحكايا وحبّي له بانسكاب الكلمات، هو الشّبه الذي رأيته في وجهه، شَبَه أُمِّي له، وملامح إخوتي فيه. وما أكرم الله الكريم الذي أكرم جدّي ببنتٍ مثل أُمي، ورزقني من بين كلّ نساء هذا الكون أن تكون ابنةُ هذا الرّجل طيّب الذّكر وبالِغِ الأثر هي أُمِّي أنا. أُمِّي التي أجزم أنّها ودون أن تدرك، أخذت من جدّي جلّ صفاته، بدءًا من سلامةِ صدره التي سلّمت له قلوب النّاس، وحكمته التي جعلت النّاس تقصده وترتاح في مجلسه وتمرّ على بابه، وقوّته وثباته على الحقّ مهما تغيّرت ظروف الزمان والمكان. 

أُمِّي التي رافقت أبي وصحبته في الحلّ والترحال، أمينةً على مشروعهما الأكبر في هذه الحياة. تعلّمت القرآن وعلومه، وعكفت على تعليمها أبناءها واحدًا واحدًا، فترى بينهم الحافظ المتقن والمرتل المجوّد، يتردد عليها كبيرهم لتقوّم مخارجه وصغيرهم لتثبّت له حفظه. أمي التي آمنت بأن القرآن سيعلمنا كلّ شيء، فعملت على تعليمنا إيّاه. وما أعظم الدّرب الذي تسير عليه، وما أكثر خيره، وما أكبر أجره. بمثل هذه المرأة الصّالحة، تقوم الأمم الصالحة، وعلى يديها يُصنع الرّجال العِظَام. 

... 

أروى بنت عبدالله 
٢٩ شعبان ١٤٤٢هـ
١٢ ابريل ٢٠٢١م

الأحد، 11 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (١١) سؤال كلّ ليلة..


عندما أفكّر في احتمالية طرقِ باب خاطئ، أتذكّر أن للجنّة ثمانية أبواب، وأن الدّخول من أيّها فوز ونجاة وغاية عظمى. 

وبما أنّ للغايةِ العظمى كلّ تلك الأبواب، ما حال أهدافنا الصغيرة وآمالنا البسيطة التي نسعى في مناكب الأرض بغية الوصول إليها؟ لماذا نستسلم إذا سدّ في وجهنا الطّريق بسبب خَير رُدّ على إثره الباب الذي طرقناه؟ في الحياةِ مُتّسع للتجارب، لا ندركه بلا فشل نتعلّم منه، أو سقوط نقوى بعده، أو باب مغلق نحاول فتحه أو نتّجه إلى غيره. 

تمرّ عليّ كثيرًا فكرةُ أن تغيّر الطّريق إذا لم تتيسر لك، لكن الحقيقة أن كلّ الطّرق محفوفة بالمشقّة والعسر. لن تجدّ أشجارًا وارفةً على جانبي الطّريق كلّ مرّة، لا بدّ من المرور على صحراء قاحلة، أو جبال متفاوتة الارتفاع. لن تجدّ ما تستظل به دائمًا، ستنام تحت شمس حارقة، وتمرّ عليك ليالٍ قارصة حتّى تصل. اسأل الله دائمًا أن يكون معك، ويتولاك، واستشعر كونك ملحظ عنايته، محاط بنظره، ومستهدٍ بنوره. به وحده تقوى على خوض الرّحلة بقوّةٍ وعَزم وجَلَد، وبهداه تدرك الباب الذي تطرقه والباب الذي تبتعد عنه، المسار الذي تختاره والمسار الذي تحول عنه. 

وأتذكّر هنا الليلة التي قالت فيها أُمامة عن فكرة قرأتها، "أتعجب ممن أُتيح له سؤال الله كلّ ليلةٍ سؤالًا يستخيره فيه أمرًا، ويُفرّط فيه!" وهذا أعمق تأمّل سمعته عن معنى الاستخارة في حياة المؤمن. عن الله الخبير، يعرف ما يصلح لك وما لا يصلح، أفلا تستشيره كلّ ليلة؟ في كلّ ما أشكل عليك في الحياة.. ياربّ، أرني الحقّ حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه. وما ألذ استيقاظك صباحًا وفؤادك انشرح لطريق دون غيره، أو صدّ عن أمر وكنت لا تتخيل رجوعك عنه. ما ألطف الله وما أعجب فتحه.. 

ماذا عن سؤال كلّ ليلة؟ تسأله موقنًا بالإجابةِ، واثقًا بنتيجتها، ومتّجهًا لها بكلّ حواسك، وعاملًا بها عمل المُطمئِن أو باحثًا بعدها عن دروب أخرى وأسئلة. 

أروى بنت عبدالله 
٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ
١١ ابريل ٢٠٢١م 

السبت، 10 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (١٠) البحث عن عنوان..


مرحبًا، 
أنا هنا في محاولةٍ جادّة لتجاهل النّص الذي كتبته اليوم قبل التّاسعة. نويت فيه كتابة درس عميق جدًا، تعلمته بصفعةٍ معنويّة تلقيتها من أحد الأساتذة الذين درّسوني مقرر مهارات الكتابة في سنوات الدراسة الأولى في الكلية. لكنني سطّرت حكايا كثيرة، عن المعلمين والمواقف التي حصلت لي معهم في رحلة تعلّم ذلك الدّرس، من دعم منهم الفكرة، ومن قولبها، ومن لم يكترث لها. وليس في كلّ تلك الحكايا ما يوصل إلى قلب الدّرس المراد مشاركته. 

أكتشف في كلّ مرّة، أن تقصير المرء في كتابة ما يراه مهمًا في وقته، دون اكتراث إلى تعبه أو ما يعتقده من ضعف في قدرته على التعبير بسبب شغله، أو انتظاره نهاية الرحلة ليكتب عن الطّريق، أو أي سبب يؤجل به تفريغ المعنى الذي عاشه لحظتها... يُفقده القدرة على ترتيبه لاحقًا، ستتقافز أمامه كلّ الحِبال التي لمستها يده وهو يخطو جِسر تلك الرحلة، وقد تنفلت ويرى الجسر الذي سار عليه دربه كلّه متقطعًا وهاويًا إلى حيث لا يمكن استعادته. وقد لا يفقد قدرته بل على العكس، سيكسبه ذلك فيضًا غزيرًا من المعاني والأفكار، فتنسكب له انسكاب سيلِ الشتاء، لكنّها ربما تغرقه فيشقّ عليه الإتيان بالمراد أو ترتيبه في قالب جيّد. 


من كلّ ذلك، لا أريد نشر النّص الذي كتبته، ولا حتّى هذا النّص. ولولا التّحدي، أكاد أجزم أنّ النّصوص العشرةِ هذه لم تنشر ولن. ولأننا وصلنا بهذا النّص إلى تمام الثّلث، أودّ أن أشكّر الأصدقاء القرّاء على حضورهم وقت نشر النّص أو صباح اليوم التالي، وأودّ أن أعتذر إليهم أيضًا عمّا يرونه من تخبط أو سأمٍ مثلما قالت ميعاد في النّصوص. والحقيقة، أننّي أكتب هذه النّصوص وأرى فيها صورةً غريبة لقرّاءٍ يتابعون تحدٍ هادئ بين منافستين صديقتين لهما روح رياضيّة مخيفة بسبب الوتيرة الباردة التي يسير بها تحديهما ظاهريًا. وذِكر القرّاء يزيد رغبتي في عدم النّشر، لا أريد أن أشير لهم حتّى لا يلعبوا لعبة الاختباء، أو أن يعتقدوا بتفرّدهم وحاجتنا لهم رغم أنّها الحقيقة التي أعرفها كقارئة قبل أن أكون كاتبة لعدد من النصوص. 


شكرًا لكم يا أصدقاء، ما زال في الرّحلة مُتّسع، سنمر فيه بأيّام حافلة جدًا بإذن الله. بين استقبال رمضان، ومحاضرات الجامعة التي قد يتعارض وقتها مع صلاة التراويح، وتسليم أبحاث الفصل وعرضها للمناقشة، ثمّ ليالي السّهر التي يعقبها عمل صباحي في المكتب، وماذا أيضًا؟ تبدو الدائرةُ التي أشرت لها ضيقة جدًا بالنسبة للأشياء الأخرى التي أفعلها في الحياة. لن أكتب عن ذلك في العشرين يومًا القادمة بالطّبع، اممم، ربّما أتحدّث عن ساعة المشي اليومية، أو الخروج إلى البحر فجرًا، أو ساعة الاستيقاظ وقت السّحر، أو نادي إتقان التلاوة، أو عن النباتات التي أحبّها، أو الأطباق التي أستمتع بإعدادها والأخرى التي أستلذها، أو دورة الإعلام والقيم التي التحقت بها مؤخرًا، أو عن الكتاب الذي أقرأه حاليًا، كتاب الدكتور إحسان عباس أم روبن شارما يا ترى؟ عن صناعة الهدايا أم صناعة المحتوى؟ أم هل أخرج من دائرتي الشخصيّة لاختلاق قصّة طلبتها ميعاد؟ 

لا أعرف حقًّا كيف ستكون، رغم أنني وميعاد حاولنا في بداية الاتفاق وقبل انطلاق التحدّي.. كتابة قائمة بالمواضيع غير قائمة مواضيع تحديات الثلاثين المنتشرة والتي اكتشفنا أنها مترجمة أصلا عن تحدٍ أجنبي. اقترحتُ أن نقسّم التحدّي إلى ٣ مراحل، كلّ مرحلة ١٠ أيّام، نكتب عشرة نصوص من أدب المذكرات، وعشرة نصوص من أدب الرسائل، وعشرة نصوص من أدب القصّة القصيرة. لكننا بعد أسبوع من البحث قررنا تركه مفتوحًا بلا جدولة موضوع وبلا أفكار مخصصة. ولن نعرف صحة الفكرة أو نجاح التحدي بها من عدمه إن لم نجرّب العمل عليها، وهذا ما نفعله الآن... 


أروى بنت عبدالله 
٢٧ شعبان ١٤٤٢هـ
١٠ ابريل ٢٠٢١م 

الجمعة، 9 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٩) على هَودَج..


جئتُ لا أعرف ماذا أكتب، أفكّر بالمحادثات الستين المتراكمة في الواتس اب، وبأعمال الجامعة وأبحاث الماجستير الثلاثة لهذا الفصل، وبالقوائم الكثيرة المتشعبة التي أحاول جمعها وتنظيمها في العمل. تبدو الصّورة السطحية للأمر بلونين، لون يعكس حياة شخص منشغل بشكل مثالي يعمل ويدرس ويعيش حياة مثالية، ولون آخر يعكس حياة شخص غريب يقتل نفسه بجِدِّه ويظنّ أنّه بطلٌ خارق أو اخطبوط بثمانيةِ أذرع. ولست في عين نفسي كذلك، ولا أرى في حياتي غير سعيّ مستمر، وكلّ ما أفعله وأسير فيه وسائل، لغايةٍ كُبرى.

أتفهّم غضب الأصدقاء، وتقلّبات مشاعر الأقارب، وسوء جماعةٍ من الزّملاء، وأخجل من التقصير في حقّ معلّم وعمٍّ وخال. ليس لأن العمل أو العلم أو أيّ أمور شخصية أخرى أهمّ عندي من الصِّلة، لكنّه من الكدر الذي جبلت عليه هذه الحياة. وفي خضمِّهِ، أقتنص لترقيع كلّ ذلك أوقاتًا متفرّقة كلّ يوم. ألقى في تلك الأحيان المتفرّقة، ردّ الإحسان بالإحسان، وردّه بالإساءة، وعدم ردّه أيضًا.

 وقد تعلّمت من أمي مبدأً أُحسِن على أساسه في مختلف الظروف، أن تكون نيّتي من الإحسان، الإحسان نفسه.. لا لتحليل ردّ ولا للحصول على مثله وليس لاستفزاز طرف مسيء. وأتذكّر في كلّ مرّة قول الله تعالى في سورةِ الإنسان: ﴿إِنَّما نُطعِمُكُم لِوَجهِ اللَّهِ لا نُريدُ مِنكُم جَزاءً وَلا شُكورًا﴾.  والطّعام هنا قد يكون كلمةً طيّبة، أو ابتسامةً عابرة، أو نظرةً حانية، يصنعها المرء لوجه الله -عزّ وجل- طامعًا في رضاه وحُبّه وقربه. ينوي بها الله وحده لا شريك له، دون أن يلتفت إلى المُطعَم، لا إلا ردّه ولا نظرته ولا أقواله أثنى أم هجا. 

وبعد غرس بذور الإحسان، ينبّهني أبي دائمًا على أهمية حمل النّاس محمل حسن الظّن. وأرى في أبي طِيبةً لا متناهيةً مع خلق الله أجمعين، وكنت أظنها في أحيان ثقةً في غير محلّها فأذُمُّ عنده فلانًا من النّاس لأهزّ شيئًا من يقينه بالشّك! فيشرحُ لي أمورًا لا أعرفها، أمورًا بسيطة لو فكرت قليلًا لما ذممت من خلق الله إلا نفسي. فيعود أبي مكررًا "يا بنتي احملي الناس بمحمل حسن الظن"، وما زلت أتعجّب من الهودج الذي يرفع أبي فيه النّاس بحسن ظنه، وأسأل الله أن يرزقني حكمته.  

بقيت أتفكّر بعد كل موقف في معنى أن أحمل أنا الناس محمل حسن الظن، ماذا يعني هذا غير أن أُحسِن بهم الظن؟ فوجدت أن الحمل في الأصل إعانة ومساعدة، وتدفّق بعدها المعنى فيّ تدفق السيل الذي يغسل المدينة من كلّ ما تكدّس فيها من غبار وأتربة. لماذا؟ لأنني وفي أيام الشغل الكثير والضغط الشديد، أشعر بأن أقصى ما أريد أن يساعدني النّاس به حُسن ظنّهم. ألا يفتعلوا مشكلةً أو غضبًا أو قطيعةً لأنني تأخرت في الردّ على رسالة، أو فاتني اتصال، أو غِبت عن بعض مراسلاتهم اليومية المهمة. حتّى لا أنشغل في خضم المعركة بقريب يراني عققته أو لم أؤدي حقّه، ولا بصديقٍ نسيت طلبه ولم يذكّرني به. ما ضرّنا لو ساعدنا المرء على تجاوز أيّامه المزدحمة بِخفّة وجودنا في حياته؟ 

أسأل الله في كلّ مرّة ما سأله رسولنا ﷺ «اللَّهمَّ اجعَلْني لكَ شكَّارًا لكَ ذكَّارًا لكَ مِطواعًا، إليكِ مُخبتًا لكَ أوَّاهًا مُنيبًا، ربِّ اقبَلْ تَوْبتي واغسِلْ حَوْبتي وثبِّتْ حُجَّتي وسدِّدْ لساني واسلُلْ سَخيمةَ قلبي»* وأرى في هذا الدّعاء من الصّفات، ما لا يناله المرء إِلّا بسلامةِ صدره وارتقاءه المتواصل في مراتب حسن الظّن. وأوّل إحسان المرء لنفسه، إحسانه الظّن بخالقه، فيدرك أن كلّ ما يمرّ عليه من مواقف وأشخاص، إنّما ساقهم إلى حياته الله -عز وجلّ- وأراد بحضورهم ذلك خيرًا يثقل ميزانه ويرفع درجاته. 

أروى بنت عبدالله 
٢٦ شعبان ١٤٤٢هـ
٩ ابريل ٢٠٢١م

*قرأت شرحًا لما في الدعاء من لطائف، لعلّي أرفعه في تعليقات التدوينة بعد قليل.. وما ألذّ أن يدعو المرء مقتديًا برسولِ الله ﷺ وعارفًا بما يقول ويطلب! 

الخميس، 8 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٨) بين الاستقلال والاستبداد..


في طريقي إلى العمل اليوم، تبادرت إلى نفسي خاطرةُ تقول "أحبّ أكون dependent" وليست بمعناها الذي يعتبر الإنسان عالةً أو تابعًا، ولكن بمعنى أنّ لديه من يستطيع الاعتماد عليه someone to relies on ولا أرى هذا يتعارض مع كون المرء يملك حياةً مستقلّة، ولا يتعارض مع الاستقلال الفكري والاجتماعي والمادّي. ولا يتطلب انحلالًا أو ذوبانًا في شخصيات من يعتمد أو يستند عليهم في حياتهم، ولا أن يكون نسخة من أولئك الدّاعمين... لكن أن يكونوا مصدر قوّة يحتاجها كما يحتاج المادّة والمعنى. 

وتذكرت هنا قولًا في أن معظم وظائفنا البشريّة فرديّة، كالتنفس والأكل والمشي والنوم. ورغم ذلك، نحتاج إلى الآخرين لنتحدّث، ولنرى انعكاسًا لما نقوله.. ورجع الصّدى جزء من حاجتنا لإتمام محادثة. لذلك قال دوبلن عن اللغة أنّها صيغةٌ من حُبّ الآخرين. 

وبهذا نصل إلى فكرةِ أنّ المُحِبّ لمن يُحب مطيع، تابعًا كان أو متبوعًا، وأعتقد أن فكرة التّبعية أصلًا، تتماهى أو تنعدم أمام فكرة الطّاعة. ولا يحدث هذا إلا إذا توقف أطراف العلاقة عن النّظر إلى بعضهما نظرة منافسين أو أنداد. لن تتحدّ الأفكار والرؤى ولن تصل إلى اتفاق أو منطقة توازن إذا استمرت المنافسة بين أعضاء الفريق الواحد. 

ولا أتحدّث عن هذا حديثًا خاصًّا، لكنّه واقع حياتنا جميعًا مع بعضنا، في المنزل أو العمل أو مكان الدراسة أو حتّى السّوق. لماذا يريد أن يحتكر الواحد منّا كرسيّ اتخاذ القرار ويستبدّ في العلاقة؟ يمكن لنَفَسٍ عميق واستعاذةٍ بالله من الشيطان وشرّه، وطول بال مع محاولة فهم واحتواء أن تصنع مؤسسة عظيمة! 

لماذا لا نريد أن نصعد معًا إلى القمّة؟* لماذا يريد كلّ فرد أن يستأثر بالنجاح جاهًا أو مالًا أو حتّى علمًا لنفسه؟ الله كريم ورزقه واسع وخيره وفير، والمكتوب لكل بشريّ لن يذهب لغيره، فلمَ لا نعين بعضنا لنصل في وقت أسرع بجهد جماعي يجعلنا نحتفل معًا بلذّة الوصول عوضًا عن الجلوس أعلى برجٍ عاجي منفردين وحيدين مغيّبين؟ 

قال شمس التبريزي "لا شيء أسهل من الكراهية، أمّا الحُب، فيحتاج نفسًا عظيمة". وكنت قبل أن أعرف ما قال، أؤمن أن من السهل جدًا أن يكون المرء بذيء اللسان سيّء المعشر، ورغم تلك السّطوة والقوّة التي يشعر بها ذاك ببذاءته إِلّا أنّه يملك نفسًا هشّة ضعيفة، لا تقوى على حمل شعور كالحُب يحمّله مسؤوليّة معنوية عظيمة. ولأنه شعور يهذّب نَفس الإنسان، ويُسكنها، لا يتحمّل ذلك الهدوء والاطمئنان من جرّب لذّة البغضاء التي تهيّج البشرّي وتشعره ببراكين الحياةِ تغلي داخله. 


أروى بنت عبدالله 
٢٥ شعبان ١٤٤٢هـ
٨ ابريل ٢٠٢١م

* تذكرت هنا كتاب "قلق السّعي إلى المكانة - لآلان دو بوتون"، كتاب ماتع لذيذ ومثري، أرشّحه لقوائم قراءتكم..