الأربعاء، 7 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٧) تحدّي النّشر..


توقّعت كتابة نصّ ساخرٍ اليوم، كعادتي حين أغرق في أمر وأتخبط في بعض أجزاءه. لكنني هذه المرّة، وبهدوء أزعجني قليلًا، قررت التّريث، لن أنشر نصًّا تمام الواحدة صباحًا لأنني خسرت نقطةً في التحدّي قبل ساعة بفارِق تغريدة. وفيّ ما يقِفُ على جرف، له قدمان، السّرعةُ والجودة، تنزلقان به فيتشبّث بالكلمة...

اليوم، ختام الأسبوع الأوّل من التحدّي، عدتُ أفكّر في الطريقةِ التي تعاملت بها معه، كيف كنت أكتب النصوص ومتى، ماذا عنى لي كلّ نص وكيف شعرت حياله. وجدت أنني رضيت بالنشر، الذي بقيت مدّة من الزّمن أراه كإدانة معلنة، وأنني به أُحمّل نفسي عبء إثبات أمور كثيرة. حتّى كان أثقل ما أفكّر به، وإذا ذكرت ذلك عند من يؤمن بمصفوفة الكلمات التي أضعها، ويرى فيها نفعًا يخصه شخصيًّا أو ينفع محيطه.. غضب غضبًا عارمًا عرمرمًا. والحقيقة، أن شيئًا من ذلك باقٍ لم ينفّك، وهو سبب الانقطاع الذي ذكرته في تدوينة اليوم الثّاني من التّحدي. 

أظن أن تفشّي ظاهرة شخصيّات القاضي والمفتش والجلاد، انتقلت من عالم الألعاب الطّفوليّة القاسية. وبذات الفكرة القاسية، غير أنّها أكثر وحشيّة في الأحكام الغيابية إلكترونيًا. كنت أرى شرر الاستشفاء في أعين اللاعبين، ولؤلؤا دقيقًا جدًا متخفّيًا في عيني اللّص دائمًا. كنت أركّز كثيرًا لأنتصر بدورٍ أعطي فيه حكمًا، لأُخفف وأتخفف. هذا في المرّات القليلة جدًا، التي دخلت فيها ساحة اللّعب عوضًا عن الاستئثار بركن ساكن أراقب فيه الأعين في ساحة المقصلة. ورغم نعتي بالجُبن عن دخول منافسةٍ أقامر فيها بسلامة يدي وقلبي، صمدت حتّى تغيّرت اللعبة المفضلة للفتيات وقتها. وأصبحنا وإلى الآن نلعب دائمًا لُعبة الكلمات. الكلمات.. 

فكرة النّشر بشكل يوميّ ليست جيّدة، وتستهلك طاقة الإنسان وتأخذ من فِكره أكثر مما ترتب وتضيف. في المقابل، حتّى فكرة الانقطاع التّام عن النّشر فكرة سيئة جدًا، وتستهلك أيضًا طاقة البشرّي الذي يتغذّى ويُغذّي بالكلمات. وبينهما، يجب ألّا تنشأ هذه الكلمات على فكرة القَبول والرّفض، ألا تكون نفسها ولا تستفيض في شرح فكرة لأنّها قد ترفض أو تردّ، ألا تُصفّ كمزهريات في متحف كي يصورها المارّة علامة على الاستحسان أو القَبول. على الكلمات ألا تقول إلا نفسها، وما نفسها؟ روح كاتبها! الفكرة التي يؤمن بها، الأرض التي يقف عليها، والشجرة التي يستظلّ بها، والجبل الذي يحبّه. والشدّة... العلامةُ التي شدَّني وجودها في كلّ سطر وكلّ جملة ربما. ما سرّها؟ ... من يدري


أروى بنت عبدالله 
٢٤ شعبان ١٤٤٢ هـ
٧ ابريل ٢٠٢١ م 
الأربعاء ١١:٢٥م. 

الثلاثاء، 6 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٦) نصّ مستعجل..


ليس لهذا النّص سوى هدف واحد، هو ألّا تستيقظ ميعاد صباح الغد وتجدّ انتصارها الأوّل. يجب أن أنجو. وقد خشيت من التحدّي منذ اتفقنا لأنني أعرف جدولي، الذي أعود على إثره في الخامسة والنّصف، وتبدأ محاضرتي بعده مباشرةً من السّادسة حتّى الثّامنة والنّصف أو التّاسعة. تبقى بعده سويعات لإتمام المهام وجدولة اليوم التالي. يبدو جدولًا مثاليّا، لكنه لم يكن مثاليًا للكتابة في أحيان كثيرة. حتّى أن الدفتر الذي خصصته لكتابة مذكرات رحلة الماجستير، مهجور منذ فبراير الماضي.. 

كلّ ما أستطيع فعله الآن لإتمام هذا النّص، هو رفع عيني باستمرار للتأكد من الوقت، إنّها الحادية عشرة وثلاث وخمسون دقيقة! سبع دقائق لكتابة نص؟ إنّها ٦ الآن.. حسنًا، أودّ لو أمتلك مرونة الكتابة بهذه السّرعة، وكنت ظننتني اكتسبتها من كوني بطلة اللحظات الأخيرة في تسليم الأبحاث والتقارير الجامعية المختلفة على مدار السنوات السّت الماضية. لا أدري لماذا أشعر دائمًا بأن هناك كلمة يجب أن تكتب في الدقيقة الأخيرة، كلمة تمسك بالنّص حتّى لا يسقط، كنقطة آخر السّطر التي تسدّ الباب أمام الجملة. 

بقيت أربع دقائق، سأحتاجها لنسخ هذا النّص ولصقه في المدونة، تكبير حجمه إلى متوسط، ثم ضبط حدوده، واختيار نوعه. هيّا بسرعة، لكتابة تغريدة تويتر أيضًا.. ثلاث دقائق.... دقيقتان... 


أروى بنت عبدالله 
٢٣ شعبان ١٤٤٢ هـ
٦ ابريل ٢٠٢١ م
الثلاثاء ١١:٥٩ م. 

الاثنين، 5 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٥) تهمةٌ ملفّقة..

 

نفْس الأشخاص الذين ينشرون بشكل مستمر مقولات عن قضاء الحوائج بالكتمان، يغضبون إذا فعل صديق لهم شيئًا ولم يخبرهم. وأعجب دائمًا ممّن يقول أنّه يتغيّر وأن في الأيام من الظّروف ما يعذره عن النّاس، وأنّك يجب أن تضع بعين الاعتبار كلّ هذا قبل أن تتحدّث إليهم أو تطلب منهم أمرًا. لكنهم في المقابل لا يُسقطون ما يقولون على الطّرف الآخر في العلاقة، الذي يتغيّر أيضًا وتمرّ به من صروف الزّمان ما خفي عليهم، وتتقلّب به ككلّ البشر. وفي هذا داء فتّاك لا يستهان به، فبسببه تعزز الأنانيّة، ويقلّ حسن الظن، وتقطع أوصال علاقات طويلة لم يدرك أطرافها جوهر المشكلة. 

يُعالج الأمر في نظري قول رسول الله ﷺ "أحبّ لأخيك ما تحب لنفسك"، من حسن المعاملة، وحسن الجوار، وحسن الظن. وألّا ترضى عليه ولا عنه أي حديث أو نقل قول. لا أحد يعرف الحقيقة الكاملة غير الله -عز وجلّ-. وقد ثار المعنى في نفسي هذه الأيّام لما يحدث من لغط بين جماعات كبيرة من الأقرباء والأصدقاء، لم يسلم منه من التزم بالإجراءات الاحترازية خاصّةً. بين من يرفض التجمعات رفضًا قاطعًا وبين من يسخر ويفاخر بمخالفاته لكل إجراء. فترى من المخالف ما يتهّم به الملتزم، إذا رآه خارجًا لعملٍ قال إذن تخالط النّاس ألسنا مثلهم؟ وإذا عرف أنّك تحضر محاضراتك في الجامعة، قال تخالط النّاس ألسنا مثلهم؟ وحتّى وأنت جالس في منزلك يقول ألا تتبضع؟

ويغفل عند ذكر كلّ ذلك، أن لكلٍ مساحته الخاصة في العمل، وأن لقاء الموظفين محدود ويكاد يكون معدومًا، وأن الكلّ حريص وملتزم بكافّة الإجراءات. ولا يعرف أيضًا ما تتبعه الجامعة من إجراءات احترازية، وأن في كلّ قاعة كبيرة ثمانية طلاب، بين كل فرد منهم والآخر متران عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه. وبالطّبع، لن يلتفت للإجراءات المتبعة في المراكز التجارية والأسواق لأنه يراها بلا جدوى. وهل يُلتزَم في اجتماعات الأقارب أو الأصدقاء بشيء من كلّ ذلك؟ ... لا مقارنة. 

سيرى كثيرون أن كلّ ما طُرح من آثار كورونا على المجتمعات والعلاقات، والحقيقة أن كلّ ما فعله تفشّي هذا الوباء: إظهار ما في النّفوس، لا يتحكّم كورونا في ألسنة المغتابين، ولا ألسنة المشجّعين على المخالفات. لا يزرع كورونا الحقد في القلوب وكلّ من سمح لنفسه أن يتّخذ موضع المحارب والفريق المضاد ملتزمًا كان بالإجراءات أو مخالفًا.. هو اختار طريقه، واختار حربًا سلاحها النميمة وتتبع تصرفات الآخر، صدّق فكرة المؤامرة ويريد أن يمتثل كلّ خلق الله لما يؤمن به هو، دون تحكيم ضمائرهم ولا إيمانهم ولا اعتقادهم الخاص. 

تتجلّى في مثل هذه المواقف الحريّات. حريّة أن يتخذ المرء طريقًا دون أن يلحقه أذى لا من قريب ولا من بعيد. حريّة أن يصبر ويحتسب على كلّ إجراء، ويعتكف في منزله رافضًا كل اجتماع. وحريّة أن يعترض أيضًا على كلّ إجراء يضرّ به، ويؤثر على مصدر كسبه. لا يُجبر النّاس في مواقف وأوضاع مثل هذه على قرارات هوجاء تتخذها عائلة أو مجتمع. 


أروى بنت عبدالله 
٢٢ شعبان ١٤٤٢ هـ
٥ ابريل ٢٠٢١م 

الأحد، 4 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٤) أمامك تحويلة..


ساءني ما كتبت يوم أمس، ليس لموضوعه وإنما لطرحه. منذ قَبلت بالتحدّي، وأنا أعرف أنّ لدي الكثير لأقوله، ولديّ ما أريد حقًا الاستفاضة في شرحه. ولركض الأيّام وعدم وجود الكتابة في قائمة المهمات العاجلة، تراكمت عليّ الأفكار، ومتأكدة حتّى الآن من حاجتي للجلوس بتفرّغ للكتابة، أن تكون هي شغلي الشاغل طوال اليوم. ورغم معرفتي بندرة حدوث ذلك، بقيت أترقّب في أحيان كثيرة اللحظة المناسبة، والتي أعرف قطعًا أنّها لن تأتي. والنتيجة؟ مغامرة كتابة نصّ مستعجل للتحدّي عن مواضيع عميقةٍ جدًا كالإحسان أو الأمانة أو المسؤولية، فكرة غير جيدة البتّة. 

كلّ ما فكّرت به عندما بدأت، أنني لا أريد جعل التحدّي يمرّ وكلّه أحاديث تدور حول شخصيّة المتحدث وحياته أو أفكاره. وهنا ظهرت لي على السّطح مجددًا، مشكلة.. عندما يرى الكاتب أنه ينكشف أمام نفسه بالنّصوص، وزيادةً على ذلك يعرِض ما كشفته له نفسه على الملأ! مشكلة ثقيلة. 

في النّص السّابق، بدى كيف كنت أحاول شرح فكرة عميقة، فدرت حولها في كلّ جملة ولم أصل.. فتذكّرت طقوس الكتابة التي يسخر منها جماعة من النّاس، بينما هي لأصحابها حجر الأساس لأعمالهم، ولأنه لا يمكن أن ترفع بنيانًا فوق لا شيء؛ من الطّبيعي ألّا تكتمل النصوص بلا قواعد خاصّة. 

وعلى ذكر الطّقوس والسّخرية، قال أحمد خالد توفيق: "فى حياة كل منا أشياء ثمينة جدًا، لكنها تجعل الآخرين يتهموننا بالتفاهة أو الضحالة أو الجنون إذا عرفوا بها، ونتهمهم نحن بالغباء  وتبلد المشاعر عندما يبدون سخريتهم." وهو ما ينعكس على كلّ الأمور لا الكتابةِ فقط.

هل يبدو هذا النّص تعللًا وتعذّرًا من شيء ما؟ ربّما. لعلّه لنص اليوم الثالث المبتور، أو لنَفَسِ الكتابة الذي قُطع حبله يوم أمس حتّى لا تزيد شفافية الكلمات ويكتمل التحدّي بحكايا تبدو كمقدماتٍ متاحة للتعارف. لكن لا بأس، عليّ أن أتعلم من كلّ ذلك درسًا واحدًا فقط، أن أُقسّم ساعات اليوم بشكل جيّد.. يمكنني من كتابة نصّ موزون ولو قليلًا لا نصّ مستعجل آخر اليوم اتقاء خسارة التحدي فحسب! 

عنوان هذا النّص ظريف، راودني بعد كتابة النّص، والسبب كان الاستياء الذي ذكرته. هذه التحويلة لأعود بالنّصوص إلى طريقها الأوّل، دون محاولةِ اختلاق موضوع للكتابة عنه.. نفس عميق، وعودة.. 

أروى بنت عبدالله 
٢١ شعبان ١٤٤٢هـ 
٤ ابريل ٢٠٢١م 

السبت، 3 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٣) أَحْسِن..

 



من إحسان المرء على نفسه أن يكون مُحسنًا. أن يُحسن القَول ويحرص على تحسينه، أن ينتبه إلى أفعاله، ومنها أخصّ هنا: الفكرة، والنظرة، والنبرة، والظنّ. يصلُحُ بالإحسَانِ قلبك، "أحسن لنفسك، كن لها، بصلاحها خَير المعين". 

ألا ترى في أفكار الآخرِ شرّا مضمرًا، لا تحللها لتخرج بصورةِ سيئٍ عوضًا عن السّبعين عذرًا التي أوصاك بها نبيّك ﷺ. واجعل من فهمك لنظرات الآخر، ما يعينك على الإحسان له لا على الشكّ فيه بمحاولة استقراء ما خفي عنك. حتّى نبرةُ الشِّدَّةِ التي تجدها من قريب أو أخ، لا تحملها في نفسك لتنتقم لها، بل ارأف بحاله في شدّته ولا تكن أنت وما جلبه عليها ضدّه. وكلّ هذه الرؤى تعينك على حُسنِ الظنّ، على التخفف. 

كلّنا نريد أن نعيشَ خِفافًا، أن ننال من نعيم الدّنيا نومةً هنيّة. لا نفكّر في إساءةٍ قُصدت لنا أو لم تُقصد، ولا في الخدوش التي تركناها بقصد أو دون قصد. وعلى ذِكر الخِفّة، قال أبي يوم أمس "من يخافُ الله؛ لا خوف عليه، ولا خوف منه". عن الخَوف الذي يتبعه الأمان والاطمئنان، ويحرّكه الإحسان. من يخاف الله لن يؤذي أحدًا لا بقصد ولا بدونه، ولن يتأذّى وإن فهو محتسب أجره. وما ألذّ أن يستشعر المرء أنّه ملحظ عناية الخالق المحسن، وفي معيّته. 

قد يبدو ربطُ الإحسانِ بالخوف أمرًا غريبًا غير مفهوم. لكن، ما الذي يمنعك من تشنيع رأي شيخ على رأي آخر في مسألة خلافيّة؟ خوفك من الله يدفعك إلى إحسان النظر إلى الفِكرة، فترى في الخِلاف رحمة، وتمضي تطبق ما ترى وتأمر بالمعروف الذي ترى دون غلظة. وهذا عين الإحسان. ما الذي يمنعك عن التجهّم في وجه من حولك؟ خوفك من الله، لأنّك تحبّه وتحب أن تكون كما يُحبّ. وأحب خلقه إليه عز وجل، محمّد ﷺ، كان بسامًا طلق المحيا.. فتُحسن لنفسك باتباعه، وتحسن للآخرين بصدقةِ تبسّمك. 

وعلى ذلك يقاس شيءٌ من الفِكرة، وإن كان في الشرحِ قصُور العجلةِ في كتابة نصّ عن هذا للتحدّي. نُحسِن لأننا نحب الله المُحسن، ونُحسِن لأننا نخاف ألّا نفعل فنفقد النّورَ الذي أحسنَ الله إلينا بهِ حين خلقنا وفطرنا عليه. 

﴿وَأَنفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ وَأَحسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ﴾ [سورة البقرة:١٩٥]
تذكّرت هذه الآية، وليس في الوقت ما يُسعف لكتابة تدبّرها، وفي تدبّر الآيات إحسان عظيم أيضًا...  

هديّة الليلة: https://youtu.be/9or9h0A5oxY 
عسى أن تكونُ النّصوص القادمةُ في وقت أبكر🌧.. 


أروى بنت عبدالله 
٢٠ شعبان ١٤٤٢هـ. 
٣ ابريل ٢٠٢١م. 
السّبْت ١١:٠٤ص




الجمعة، 2 أبريل 2021

تحدّي الكتابة (٢) هويّة بين الوَهمِ والحقيقة..


قد يبدو تعثُرًا آخر، أسحبُ به نفسي في السّاعةِ الأخيرةِ من اليوم لأكتُبَ نصًّا. عندما اخترت أن أدوّن بعض المذكرات وأبعث بعض الرسائل، تبادرت إلى ذهني الصّور التي تعكسها هذه المواقِعُ عنَّا. قبل ثلاث سنوات على الأرجح، بدأت طاقتي تنسحب تدريجيًا منها، تركت صخب نشر الكتابات، وفعاليات أسلات قلم الأدبيّة، وبثّ الأفكار والآراء واليوميات في مختلف المنصّات. 

لازمتني الكتابة، ولازمني هاجِسُ الذّات الالكترونية الغَرِيب. كيف تجمّع صفحة سابحةٌ في فضاءِ الشّبكة البشر من أصقاع الأرض، فتقرّبها وتقاربهم، وتصنع منهم مجتمعات بتوجهات مشتركة، يناقشون القضايا ويخرجون بالحلول ويسعون لتطبيقها. لطالما آمنت بقوّة الإعلام، وبأهميته، ولم أجدني يومًا أميل إلى فكرةِ أن وجودنا في البرامج المتاحة لنا كمنابر، أمرٌ عرضيّ أو شكل من أشكالِ التّرف. وإن كان غالب ما يظهر منه على السطح العشوائي تلفٌ وزبد ذاهب. 

عزمت قبل أشهرٍ العودة، ولأنّ الأمر جدّ، بقيت مدّتها أبحث عن الصّورة التي كنتها سابقًا، فوجدتني كما أنا، غير أنّه بسبب الانقطاع ربما، ظهرت صورةٌ هادئةٌ جدًا، مرتاحةُ البال، ولا يظهر في جانب أي أهداف مُعلنة أسعى لها. وجدت صورةً شفّافةً جدًا، اهتمامات واضحة، وتوجّهات جليّة.. لكن! ما الرّسالةِ التي تحملها روحُ مثل هذه؟ ما رؤيتها للحياة وللحروب الطّاحنةِ التي تدور حولها؟ ومحاميّة؟ لمَ لا تدخل في نقاشات الحركات الحقوقية؟ أين هي منها؟ لعلّ في الدّراسةِ ما يشغلها كثيرًا ويمنعها من المشاركة.. 

والحقيقةُ كلّ الحقيقة، أنّ دمجَ العالم الافتراضي في الحياةِ اليوميّة الطبيعيّة للإنسان، تحتاج شيئًا من العَزم، وجَلَدًا قويًّا. لا يعتمد الأمر على مدى مواهبنا في الكتابةِ أو التصميم أو الرّسم أو القراءة، ولا على هواياتنا التي يحكمها هوى النفس، وإنّما على صبرنا، على الإرادة، وعلى الفكرةِ التي تستفزنا وتستنزفنا، على ما نريد حقّا الوصول إليه. 

ولا أرى شيئًا يدفَعُ الإنسان في هذه الدّروب وغيرها، كما يفعل استشعار المسؤولية، مسؤولية تحقيق القِيَم التي نؤمن بها. ولا يحرّك الفرد منا شيء، كما يحرّكه الإيمان. ما الإيمان؟ ...

أروى بنت عبدالله 
١٨ شعبان ١٤٤٢هـ. 
٢ ابريل ٢٠٢١م. 
الجمعة ١١:٤٢م.

الخميس، 1 أبريل 2021

تحدي الكتابة (1) استهلال ..

  

بسم الله الكريم، الذي منحني القوّة بالكلمة، وهذّب نفسي بالكتابة، وهدأ روعها في لُجج الأيّام بحِرفة نسج النصوص.. والاشتغالِ بِها. كم مرّةً خُضت معركةَ الفكرةِ بين الحروف وبقيتُ فيها حتّى انتصرت انتصار ليثٍ عنيدٍ لا يملّ من الطّراد إذا غَضِب. وكم مرّة كانت الحروف فيّ سِرب غَيم "إذا ثقلت حمولته يسيل".. وفي قصيدةٍ كتبتها عن نفسي عرّفتها في أبياتٍ مزهرةٍ في سلالٍ أعلى تلّة بالقول: "يُقالُ استحالتْ أَصابِعُ أَرْوَى، غُصُونًا تُسبّح ربّ الظّلال". 

لعلّه رابع تحدٍ أُغامر بدخوله للكتابة المتواصلة، لكّنه هذه المرّة مختلف لارتباطه بالتزامٍ بين صديقتين أروى وميعاد. بعزمِ المشدود بالحَرف، والمنجذب له، والمشتاق لبثّه بلا أيّ اعتبارات تجعله يمحصه ويدققه أيّامًا ثمّ يركنه وقد خفت بريقه في نفسه فأحجم عن نشره. 

يحمِل المغامرة وسم #تحدي_الثلاثين الذي بدأ الأستاذان عبدالله بن عمر وإياد السيّد خوضه في الانستجرام، ولعلّ الحماسة التي شهدناها فيه، أثارت في أنفسنا لقاءات الجامعة ومشينا من قاعات دورات الكتابة التدريبية -التي حضرناها للدكتور خالد الكندي والأستاذة بشرى خلفان- إلى مواقف السيارات حيث أركن سيارتي أو إلى المجمع الخامس حيث تقطن هي، وصوتُ عُهُود بيننا تتجول في غرفة ملاحظات هاتفي وتقرأ علينا بعض النصوص التي لطالما عاشت هناك في صندوق مدسوس يأبى عرض بعض ما فيه على المدونة. 

قد يبدو من الاحتيال على التحدّي أن أبدأه بالتّعريف به، لكن لكل بحث مقدمة لا يستساغ متنه بدونها. وقد كنت قد قررت أن تدور نصوصي حول عالمين، عالم المذكرات، وأدب الرسائل. ثم اتفقنا على جعله مفتوحًا في النّهاية حتى لا نضيّق الثلاثين يومًا بشروط وحدود قد تعيق استمرار التّحدي أو تؤدي إلى خسارة إحدانا. فالهدف أن نستمر معًا، لنكتسب مرونة النّشر على الأقل، إلى جانب الفضائل التي قد تجود بها علينا تجربة الكتابة اليوميّة، أن تتجوّد النصوص باستخدام فكرة الاستمرارية لا انتظار الوصول إلى المثالية دون عمل جادٍ وحثيث. 

ولا يمنع نهوض التحدي كرحلةٍ معًا، أن أرى ميعاد كمنافسٍ شرس، أجزم بانقضاض نصوصه على نصوصي انقضاض الأسد على فريسته قوّةً وأنفة. ولعلّ في قول عبدالرزاق عبد الواحد "وأعظم الشّعر ما أحسست أنّ به.. شيئًا يضيء ولكنّ أنت جاهِلُهُ" صورةً أقرب لنصوصها، إذ تضيء مدونتها بقصص ومقالات أديبة أريبة، تبني الفكرةَ بحكمةِ التّجربة وتقدّمها في قالب جميل المظهر والمخبر. والله المستعان على ما أوقعت نفسي فيه، إذ أكتب النّصوص عادةً آخر الليل، ولم أحسب حساب هذا النّص الليلة الماضية وها أنا ذي أُهرول بأصابعي بين الحروف في آخر ساعة من اليوم، ولا أنكر خشية أن أُخيّب أمل نفسي في أن أستمر هذه المرّة إلى آخر نَفَس، ثلاثون يومًا بلا تحايل أو تقاعس، ولا أن أُخيّب أمل ميعاد بخسارةٍ من اليوم الأوّل بالطبع. 

قرأتُ مرّة عن أديبٍ أشاد بالمستوى الذي يستطيع المرء الوصول إليه في الكتابة، وكيف أنّ الأجيال الجديدة تعرف كيف تكتب بإجادةٍ لا مثيل لها. لكن كان أسِفًا من أنّهم لا يعرفون عمَّ يكتبون.. ولستُ أخشى من شيء خشيتي الوقوع في هذا الأمر، ودسست على إثره معلّقات وقصصا كثيرة كتبتها على مدار سنوات من الزمن الذي عشته أبحث عن سبب يجعلني أكتب كلّ ذلك. لا أقول أَنِّي استفدت ولا أنّي وصلت، لكن.. وفي وقت مثل هذا أنا أعرف لماذا أكتب، ولماذا أريد أن أكتب، ولماذا أستمر في الكتابة، وإلى أين أريد أن أصِل ربما. 

وهكذا، نرّحب بمغامرةٍ جديدة، بدأت اليوم في الأوّل من أبريل ٢٠٢١ وستنتهي في الثلاثين من أبريل ٢٠٢١م بإذن الله. ثلاثون يومًا من الكتابة، الكتابة لذاتها فقط. مصحوبةً بالحماسَةِ والمنافسة، بالعفويّة والسّرعةِ والكثير من الأخطاء. لنتعلّم، ولنعيد الحياة إلى مدوناتنا، أماكن راحتنا، الصغيرة بهجرنا، والواسعة بما فيها من كلمات.


أروى بنت عبدالله 
١٧ شعبان ١٤٤٢هـ. 
١ أبريل ٢٠٢١م. 
الخميس، 11:18م.