الخميس، 5 فبراير 2026

لقاءُ الأحبّة

     سَمحُ المحيا مهيب الطّلعة، صوت يتغنّى بالقرآن، وكم شَهِدت ذرّات الكون شهادته بالله الواحد القهّار كلّما أذّن للصّلاة، صاحَبَ القرآن في حياتِه فصَحِبَه حين عاد طفلًا صغيرًا في آخر حياته -رحمه الله وتقبله بقبول حسن-، حين ضاعت مِنه أسماؤنا ولم تضِع منه أسماء سُور القرآن إذا ذكرت عنده آية، يصمِتُ طويلًا وإذا قرأت له القرآن صوّب لك وتابع معك القراءة. 

      يا صاحِبي، ماذا تريد من الحياة إذا بلغت ما بلغ؟ ما الذي يؤنسك ويسليك إذا اطّرحت الفراش؟ وما الذي يبقى معك إذا صرت إلى ما صار إليه؟ كم في الصَّالحين من آيات أشهدك الله عليها! أما تُريد ذلك المقام؟ ما يشغلك عنه؟ ما بَلَغ الواصِلون إِلّا بالمعاهدة وصِدق الصّحبة يا أخي. 

     ممَ تخاف عليهم؟ أمما يرجونه من لقاء الله؟ أحبُّوه فأحبّهم وأحبُّوا لقاءه وحانَ ميعادهم!  وآهٍ ما أطيَبَ اللقاء! موعودٌ المتقي بروضةٍ من رياض الجنّة في قبرِه، في تلك الأمتار التي يوسّد ترابها، يصحبه قرآنه الذي صَحِبَه وأنِس به في دُنياه، يصحبه عمله الصالح الذي قضى العمر في ميدانه، متعبدًا لله به في رحابه ومناكب أرضِه سبحانه. 
     ويالِهَنَاه! من كان قوله يوم زاره المَلَكُ وقد حانَت ساعته ودنَا أجَلُه "غدًا نلقَى الأحبّة محمدًا وصَحبَه"، ما أسعَدَه من لقاء، ما أشدَّ شوقَ القَلب له، … 

     تعالَ نخافُ من غفلتِنَا يا أخي، من ركضنا وطُول أملنا، من خُلُوِّ أيامنا من توبةِ الصّديقين واستغفارِ الذّاكرين، من بُعدنا عن مجالِس الصَّالحين وسُرُج العابدِين، تعالَ نخافُ من انشغالنا بالسّعي واشتغالنا عن تطهِير القَلب وتجديدِ النيَّة، عن تصحيح العمل وتحديد الوِجهَة، عن أيّ الصَّالحين تتحدَّثُ أيّها المشغولُ بالوسيلةِ عن مسخّرها وحاملِك عليها! 

     ما حَادَت رِكابُ المُخلصِين عنه سبحانه، ولا انصرَفت قلوبهم نحو غيره سبحانه، ما سُكّرت أبصارهم، حفظوا الله فحفِظهم ووجدوه تجاههم، سألوا الله واستعانوا بالله واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم للهِ سبحانه، وماذا يريد من وجد الله؟ ماذا فقد من وجد الله؟ ابحث عن الله يا أخي، فإنّك إن وجدته استغنَيتَ بالغنيّ سبحانه، واكتفيتَ بالكافي سبحانه، وفاضت روحك شوقًا للقاء اللطيف الخبير سبحانه. 


أروى بنت عبدالله 
١٦ شعبان ١٤٤٧هـ
٤ فبراير ٢٠٢٦م.  
١٢:٠٨ص. ليلة الأربعاء 


الأحد، 11 فبراير 2024

سائِر | غُرّة


     تنبِضُ قلوبُ المُحبِّين من شدّةِ الشّوق كلّما اقتربَ موعدُ اللقاء، حتى إذا أذِن الله للهلالِ طلعتَهُ البهيّة، عكَفَ المتبُول قلبًا في محرابِهِ يُسبِلُ الدّمعَ لا يجدّ انفكاكًا عن حالِه، يعرُج على بابِ الكرِيم مفتقرًا ضعيفًا، لا يُعرَف متى ابتدأ ليله أو نهاره، مشتغِلٌ حدّ أنّ الذي حسبته مشكاة نُور؛ ضياءٌ لا يكادُ يَغرُب. 

     يا صاحبي، هلّ الهِلَال! 
     يدنُو الحَبيب شهرُ الحبيب، وبقدِر الشّوق تستعدُّ لقيامِهِ وصيامِهِ والعملِ فيه، تقضي ديونَك المادية والمعنوية، والعلمية والعملية، والجسدية والرّوحية، تتخفف منها متخذًا بالسبب، وسائلًا العليّ القديرَ القبولَ والرّضوان، يا ربّ اجعلني قرآنًا في شهرِ القرآن، قرآنًا فَوْقَ الأرض وتحت الأرضِ ويوم العرض. 

     لا تَكُنِ المغبونَ في صحته وفراغِه، "تبلّغ بالقليلِ من القليلِ، وهي الزّاد للسفرِ الطويل"، ها أمامنَا شهرٌ بالتّمام بعدِ شهرٍ حرامٍ مضى قبله، نسألُ الله بلوغَ الخير بخير، ولباسَ النور بالنور، بنعمةٍ وعافيةٍ وستر، وأن يُلحِقَنَا بالصّالحين. 

     انفُض عنك غبارَ الغفلة إن فَتَر ذكرك، أو لم يزِد وردك منذ مدّة، قُم وتوضأ؛ أسبغه على المكاره، ثمّ افزع واركع لعلّ الله يوقِظ عزمَك، "يا صاحِ دنيانا طريق، والعَيشُ عيشُ الآخرة"، ساعِدِ اللهفةَ المشتعلةَ فيك، حَافِظ عليها بالمسباحِ بين أصابِعِك، وافتح باحاتِ النُّور الواسعة بالسجادة في محرابِك. 

     للقراءِ نصيبُهُم الوافِر من ربيعِ المؤمن هذا، ليل طويل يقومُ فيه حتّى تتفطّر قدماه شوقًا لشهر الرحمات، ونهار قصير بالكادِ يجفّ فيه ريقهُ وهو صائم، صوتٌ مبحوح من ملازمةِ صاحبِهِ القرآن، وقد رُزِقَ تلاوته آناء الليل وأطرافَ النّهار، مستقبلًا شهر تنزّله وعرض النّبي ﷺ له على جبريل -عليه السلام-. 

     أبدو كمن يسرُدُ الصورةَ المثاليةَ عن هذه الشُهورِ المباركة، ولست يا صديقي في ذلك المقام غَيْرَ أَنِّي أراه في الصّالحين الذين يَصِفُهُم الله في آيات كتابه، وفي شخص رسوله العبدِ المقرّب منه منزلةً عليّةً ﷺ، وفي سلُوكِ صحابته رضوان الله عليهم، وفي التّابعين لهم بإحسانٍ من أولياء الله. 

     وأعزّي نفسي في كلّ مرّةٍ بمزيدِ عمل، بخطةٍ تلو الخطة، وحزمٍ مع كلّ عزم، وأستحثُّها للعملِ بما تعلم؛ فأراجِع حتى ينقطع صوتي، وأقوم حتى يخترق صوت النّبض أذني من التعب، وأقرأ حتى تدمع عيني لفرط ما شرّعتها، ثمّ ماذا؟

    يشاء الله في رجب أن يصيبني ما أصاب من حولي من أعراض البرد، شهر بلا نوم ولا قيام مستمر، نصف ساعة بين النوم واليقظة، بين الكحة والحمى، ونهار قصير بالكادِ أستيقظ فيه واللوعةُ تقذِفُ بي في بحر لجّي، يا لشدّة ما أجد من فقد الجلوسِ الطويل مع صاحبي، لا أنفاس تسعفني لسرد جزء منه ولا طاقة لتكرار صفحة الحفظ الجديد، … 

     كم ليالٍ مرّت ما ظننت أَنِّي سأنام فيها ساعة، وإن نمت فقد لا أستيقظ، وحالما أفزع في منتصفها من كحة خانقة وحرارةٍ صدقَ فيها الحياء "فليس تزور إلا في المساء"، حتى علمت أن الصُّمود بعد الفجر لمراجعة شيء من السور أقرب للمستحيل. 

     لكن رحمة الله واسعة، يدُ لطفه الخفية لا تنفكّ عنا في الضراء والسراء، وقد انتشلتني يد عنايته بالصّيام، تفقد قوتك حتى تظن أنك هباءة، فيبعثك الله بالإمساك عن كلّ مصادرِ القوّة لتدرِك معنى قضاء الواحد القهار في كلّ أمرك، لا تقوى على ترداد الآيات لكن جسدك يحمل على ما هو أشق بإذن ربّه، فما يكون لك إلا أن تقول بيقين الواثق بربه "ذلك تقدير العزيز العليم". 

     اللهُمّ أحينا بعبادتك لعبادتك، وبذكرك لذكرك، وبالصيام في شعبان للصيام في رمضان، اللهُمّ بلّغنا وأهلنا وأحبابنا بلوغًا ترضاه، وأقِل عثار من عثر وردّه إليك ردًا جميلًا، اللهُمّ كما مننت علينا بمجالسِ القرآن وفقّنا للعمل بما نعلم ومكّنا واجعلنا من جند الفتحِ والنّصرِ المبين.  

أروى بنت عبدالله 
١ شعبان ١٤٤٥هـ
١١ فبراير ٢٠٢٤م
١١:٤٥م. الأحد. 

 

الاثنين، 13 نوفمبر 2023

يُلقِي الرُّوحَ

   قد تعتاد التزامك بالأذكار، حتى تعمى عينك عن أثرها، فتغفل عنها شيئًا فشيئًا، ثمّ تتركها، تدخل من بعدها في دوامة غير مفهومة، كلّ شيء يسير لكن ليس بأفضل حال، تنقضي الأعمال بمشقة وتعب شديد، تتمّ الأوراد بجودة دون المستوى، شيء ما في الأرجاء يُحدث الفوضى في داخلك، ما الذي ينقصني يا تُرى؟

   تنقصك الرُّوح يا صديقي، تعتاد وجود الذّكر فتردده كمن يتمّ واجبًا، تدخل في خضم أعمال الأسبوع الكثيرة، تتنقل بينها كأنّك آلة صمَّاء يجب أن تكون في المشهد، تجلس على كرسي الطالب مستمعًا لا تتفاعل إلا قليلًا، تحاول الانطلاق بعد ريّ ظمأك بالوِرد لا قبله، لكن ما زالت بعض الأيام تقتنص منك تلك الجرعات، فتخرجك عطِشًا لا يقوى على قول كلمة.

   تصرخ أجزاء من جسدك تباعًا، استيقظ أنت متعب، توقف، توقف حالًا قبل أن تسقط، لكنك تتجاهل كلّ شيء وتمضي، حتّى سقطت بالفعل! انظر إلى حالك، جسد منهك لا يحملك إلى العبادة، مقصّر رغم أنفك بسبب ضيق النفس، ونائم رغم أنفك بسبب التعب العام، وقاعد رغم أنفك بسبب ضعفك، ومنكسر رغم أنفك بسبب عجزك، لا بأس، لا تخف، ها أبصرت الآن بعينِ التائب الآيب، لن يضيّعك الرحمن الرحيم أبدًا؛ فأنت مأجور رغم أنفك أيضًا إن سلّمت وآمنت ثمّ استقمت. 

   وانتبه! استعن بالله وتخفف من بعض ما ألزمت نفسك به، عُد إلى الذكر الذي غفلت عنه رُوحك بينما تردده لسانك، عُد فالأرواح لا تختلط وتتفاعل بغير قُرب القريب، ﴿رَفيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرشِ يُلقِي الرُّوحَ مِن أَمرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنذِرَ يَومَ التَّلاقِ﴾*. 

   أقبِل إليه، يشرح صدرك وييسر أمرك، يوفقك للتّوبة ويفتح من الرحمة ما لا ممسك لها، وينزل عليك من سكينته وفضله ورحمته بسعيك في سبيله ما لا تجده في غير مجالس ذكره مهما هاجرت، أنت عبد الوليّ الحميد، أنت عبد اللطيف الخبير، فتحقق بهذا الوصف تغنم، وتمسّك بالوحي تُهدى وتحيا، سقى الله قلبك من أوراده وبلّغك رضوانه
 

أروَى بنت عبدالله 
٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٥هـ 
١٢ نوفمبر ٢٠٢٣م 
١٢:٣٠ص. ليلة الأحد. 

*[سورة غافر: الآية ١٥]


الجمعة، 3 فبراير 2023

جذوع النّخيل..

     أجول بنظري في الأرجاء، أتأمّل المنازل حولي، منها الجديد، ومنها ما تحت الصيانة، بينها ما لم يكتمل بعد، ومنها القديم المتهالك، هذا من حيث المباني! أمّا من حيث الحياة فمنها المخضرّ تُسمع من بين نخيله أصوات العصافير الصغيرة وهديل الحمام الزاجل، ومنها الأجرد باسم الحداثة في المعمار.
 
     أعود لأقربها إلى قلبي، أسلّم على جدرانه وأمر على كلّ أشجاره تحيةً وسلاما، أُسبِّح معها مساءً ساعة التجوال، بعد أشهر من استمرار المشهد وتكراره، أجد في نفسي أثرًا بالغ الوضوح، لي بيت ما زال تحت الصيانة، أسكنه وأحاول قدر المستطاع إتمام النواقص في الهيكل الذي غيرت بعض حدوده، أعمل جاهدةً لجمع شيء من المال حتى أتمّ جدران بعض غرفه، كما أنني لا أنفك عن زيادة أشجاره ونخيله على وجه الخصوص، كلما امتدّت الخضرة أمامي تذكّرت بساتين روحي الممتدة، أعتني بربيعها المزهر كأن لا شغل لي غير البستنة. 

     ورغم الجمال ولذائذ الثمارِ وعذوبة الماء، إلا أن الخراب الناتج عن التأخر في أعمال الصيانة، والغبار الذي لا يختفي أبدًا من أثره مهما نظفت فناء المنزل وحديقته الداخلية يزعجني، ويمنعني من الاستمتاع بالشرفة المطلة على تلك الخيرات، حتى أدركت أن ما صُرف للأنعام والحرث كان الأولى أن يُصرف لإتمام البناء الأساسي، كنت أعرف ذلك من البداية لكن التعلل بالتراخي في الأمر المطلق جعلني أقف على شفا حفرة، يدفعني نحوها كمّ هائل من الدّيون! "داينت أروَى والديون تقضى، فمطلت بعضًا وأدّت بعضا"، هكذا تمامًا، لكن الله سبحانه أنقذني بفضله ورحمته، فإذا بالحفرة تُردم بجذوع النخيل، وإذا بأيادي بالأعداء تقبض بل وتكسر أمام عيني، وتنتشلني يد عنايته فوق يدي الضعيفة المرتعشة التي بقيت ممدودة إليه. 

     يا ربّ ﴿غُرَفٌ مِن فَوقِها غُرَفٌ مَبنِيَّةٌ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ﴾، سلعة غالية لا أقوى على دفع ثمنها دون معونتك، أنا أفقر من أن أطلب علاها لكنني أطلبه من غنيّ! يتولّى أمر عبده الذي أُحصِرَ في سبيله لا يستطيع كثير ضرب في الأرض يحسبه الجاهل غنيًا وهو أفقر الخلق إلى حبّك وقربك، لا أُعرف بسيماءٍ ولا ألحّ في مسألتي إلا ببابك، اللهُمّ حبك وحب من يحبك وحب كلّ عمل يقربنا إلى حبك، كلّ عمل يا ربّ، كل عمل. 

أروى بنت عبدالله 
١٢ رجب ١٤٤٤هـ 
٣ فبراير ٢٠٢٣م 
الجمعة ٩:٠١م. 


  

     

الجمعة، 1 أبريل 2022

عَبَرات وثَمَرَات..


كانت المرّة الأخيرة قبل رمضان الفائت، حينَ أدركتُ أن اليد ما زالت ممدودة في حين غادروا، وقد خرجوا من حياتك لا من قوائم الأصدقاء فقط. حينها فقط قلت لنفسي، لم أمتنع حين امتنعت عن اجتماع ما لسبب شخصي لكن إرادة الله وتدبيره وحكمته قضت بذلك في كل تلك المرّات. وأراني مرّة أن الاجتماع كان في مكان لا ينبغي أن أكون فيه، وأراني مرّة اجتماعًا صاخبًا بالغناء، لقد أراني الله في كلّ مرّة سببًا كهذا يقول لي لا تحزن ولا تكن في ضيق. لكن وبنظر قاصِر وقلبٍ هشّ كنت أحزن حزنًا يقول لي: لو كنتِ معهم لما حدث هذا! أنتِ السبب يا أروى، أنتِ السبب.. لقد أفلتِ أيديهم.

استمرّ الأمر ردحًا من الزّمن، حتّى قلت لأمّي مرّة: لا أعلم لم لا أنفك عن كوني كائنًا مؤقتًا في حياة الآخرين، لماذا أكون المغادر الوحيد، والمهاجر الوحيد الذي لا يعلم عنه أحد، لماذا كنت أنسحِبُ بسهولة؟ 
قالت بالتفاتة عين حاذقة: توقّفي عن جلد نفسك!  
أنا أجلد نفسي؟ يا إلهي! نعم فعلت! كانت تلك ال"لو" تفتح للشيطان بابًا لطالما حاول به النّيل منّي، وحاول بها زعزعة إيماني بعَوضِ الله الجميل عن كلّ ما تركته لله في حياتي. 

وقفت حينها بقوّة الله وحده وعونه، أردد الجملة التي أجيب بها على أسئلة أمّي كثيرًا "من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه"، لم تكن الإجابة سهلة، أنتِ لم تنسحبي بسهولة، وحزنتِ وبكيتِ في مرّات، لكنك تنسين كل ذلك بمجرد أن يمضي، أو لعلّك تتجاهلينه.. ورغم كلّ ذلك، كان الإيمان بأن وعد الله الحقّ حقّ يزيدني يقينًا بالخَير في عوض الله الجميل، عن كلّ لقاء، وكلّ صديق، وكلّ موقف، وكلّ فرصة، وكلّ شيء آثرتُ بتركه وجه الله عزّوجلّ وحده لا شريك له. 

بعدَها، عُدت لأرى صورة المشهد من بعيد، فوجدت فتاةً هادئة الطّبع، تدخل بحذر، تكون في الصّورةِ دائمًا أوّل من يشعل مصابيح المكان، ويرتب الأزهار على الطّاولة، تستقبل الزوّار وتبتسم كثيرًا. ثمّ.. وجدتها آخر من يغادِر دائمًا، وفي كثير من الأحيان كانت تطيل المكوث منفردةً هناك. ولمحت في تلك المرّة الأخيرة بعد تمام أسبوعين من الشّهر الفضيل رسالة قصيرة تقول فيها:

اعرف أنّ عليك ألّا تأسف عليهم، وألّا تكون في ضيق. أن تتجاوز كلّ الذكريات الجميلة، ولا تفكّر في الحاضر السيء الذي صنعوه. لقد مضى بهم مركب آخر لا مكان لك فيه، ولعلّ مركبك أيضًا لا يتّسع لهم لكنك لم تنتبه. صرفَ الله عنّك السّوء، وصرفك عنه. وربّما حرمك خيرًا، ولكن ليبدلك خيرًا منه. 

بهذا الإيمان الرّاسخ يثبت القَلب، ولا يحزن على انفلات عقد الأصدقاء عند كلّ منعطف وبعد كلّ مرحلة. كلّنا محطّات في حيوات بعضنا، مصيرنا العبور. وعند نهاية كلّ طريق، تظهر مروءة كلّ فرد ويتبدّى نُبله. اختم ما بينك وبين النّاس بالخير، وإذا انصرفت فاحرص على صرف أذاك عنهم.  

يا إلهي! ياربّ القُلوب ثبّت قلوبنا وهب لنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا وزدنا هدًى وتقًى ويقينًا ياسميع ياعليم. 

————————————- 

أتأمّل الآن مشاهِد كثيرة، وأرى فيها قول الله تعالى: ﴿فَاصبِر إِنَّ وَعدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَستَخِفَّنَّكَ الَّذينَ لا يوقِنونَ﴾. وأتذكّر صَبر سيدنا أيوب عليه السّلام الذي أكرمه الله بعد سنين صبره وقال فيه: ﴿وَوَهَبنا لَهُ أَهلَهُ وَمِثلَهُم مَعَهُم رَحمَةً مِنّا وَذِكرى لِأُولِي الأَلبابِ﴾. ومنه إلى مشهد الحبيب المصطفى ﷺ مستقبلًا صهيب رضي الله عنه بقوله: "ربح البيع أبا يحيى"، المشهد الذي زرع في قلبي صورةً لنّبي الله الحبيب يستقبلني بعد كلّ رحلة خضت فيها غمار اتخاذ قرار صعب ثمّ ختمت ملفها بالقول: من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه. الله أنقذني! وأكرمني بعدها بنعيم العَوض الجميل ولذيذ الفرح بهِ. 


في حين كنت أقف كجنّدي ألِفَ الحرب وبين يديه سلاح يعرف كيف يستخدمه لكنه لا يفعل كما يجب، أو كما قالت عبير مرّةً "بين يديك مسدس، وعوضًا عن أن تصوّبيه نحو الهدف، أنتِ تستخدمينه كمطرقة!".. لن يكون ترك الأشياء سهلًا عليك دون سلاح إيمانيّ قويّ تعرِف كيف تعيش به كزَاد، فتيله الآيات التي لا تنتهي ﴿قُل لَو كانَ البَحرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِماتُ رَبّي وَلَو جِئنا بِمِثلِهِ مَدَدًا﴾، وسيبقى سراجك منيرًا ما استنرت بهدي الحبيب ﷺ الذي أضاء الله بهِ الظلمات. 

وسُبُل الأولياء تحتاج إلى رِفاق صِدق يذكرونك إذا نسيت ويعينونك إذا ذكرت. رِفاق لا تستوحش مجلسهم لأنّه يربطك بروضةِ الحبيب، يفوح شذاهم زهورًا على طريقِ منابِر النّور، يرددون على مسامعكِ دائمًا "الموعد الحوض"، تلك المحبّة التي أوثقت في الله كلّ عراها وقامت ليلها ترجو اللطيف الكريم جمعًا تحت ظلال عرشه، لا تنفلِتُ عقدتها ولا يبتعد الآنس بها مهما نأت به الدّنيا جسدًا فرُوحُهُ في وصالٍ دائم.. ﴿قُل مَتاعُ الدُّنيا قَليلٌ وَالآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظلَمونَ فَتيلًا﴾.  

أروى بنت عبدالله
٢٩ شعبان ١٤٤٣ هـ | ١ ابريل ٢٠٢٢م 
١:٣٩ صباح الجمعة..  

الأربعاء، 30 مارس 2022

ذكرى وتذكرة لمن يخشى..


لم تفارقني صورتك واقفًا على عتبة باب مجلسك، أو جالسًا مقابلها عند النّخلة. وبعد مغرب تلك الأيّامِ الثلاثة كنت أنتظر دخولك حاملًا أكياس الخبز للعشاء، ومناديًا على بنيّاتك ليحملنها عنك. 

جلست كثيرًا حتّى نسيتُ كيف أتحرك أو أتحدّث، يعزيني الكثير من الغرباء هنا ولا أعرِفُ كلمة سوى آمين، حتى سمعت ابنة خالتي تقول "لله البقاء والدّوام"، ابنة خالتي التي كنت تناديني باسمها دائمًا، ورفيقةُ الحُجّاج كما أسمّيها في قلبي دائمًا. كان وجودها جالسةً على يميني كلّ يوم عزاءً وذكرًى لا أستطيع تجاوزها بغير الدّعاء والبكاء. ولطالما ذكّرني وجودها بابتسامتك العذبة وصوتها الحاني الخجول من تكرار الموقف وضحك الجمع الذي يكون حاضره. 

خرجت مع خالتي في الليلة الثالثة، مرافقة لها نحو منزلها، أمشي عن يمينها وأتأمّل امتداد أرض جدّي الحبيب رحمه الله، لقد أذِنَ الله أن تبقى هذه الأرض حيّة، وأن تُعمر مجددًا وتُزرع، رغم تقسيماتها الكثيرة واختلاف ملاكها، وما زال البيت الأوّل الذي وضع فيها قائمًا وإن كان مهجورًا.. وفي طريقِ العودة إلى بيت خالي رحمه الله، لم أتمالك نفسي أمام فكرةِ أنّك هنا لكنك لست في منزلك الذي عن يميني، وإنّما في منزلكِ الذي عن يساري، رفقةَ جدتي وجدي وابنيك الذين فجعت بفقدهم.. 

دخلت وفي داخلي صوت يقودني نحو المساحة الخضراء، أتأمّلها وأتذكّر حديثك كلّ مرة عن جديد ما زرعت وما استحدثت لريّها، عن طلع النّخل وثمار الليمون، وعن عملك على التنّور. وأُذن في القلب، يتردد صدى صوتك حولها، تشرح بسرور شيئًا من خططك وتلقي بينها طرفة تلو الأخرى. 

ينقطع شريط الذكريات ذاك فجأة، بصورتك في المشفى بلباس أزرق، تنقل بين غرف الترقيد وغرف العناية المركزة. لا أملك من أمري شيئًا سوى أن أردد ﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرحَمُ الرّاحِمينَ﴾، أستيقظ كلّ صباح على صوت أبي يتواصل مع كلّ من يعرفهم ليتمّ نقلك إلى مشفًى آخر، ترتفع الآمال كثيرًا ثمّ يهدّها اتصال، تبدو كلّ الطّرق مُغلقةً تارة ثمّ تنفرج كأن لم يكن عائق.. لماذا لا يستقبلون المريض قبل موعده إذا كانت حالته طارئةً جدًا والعناية في مكانه سيئة جدًا؟ لماذا يتمّ تجاهل حالة المريض النفسية بل ويزيدونها تدهورًا؟ أكره هذا اليأس في أعين الأطباء، وأبغضه جدًا في عيون من حول المريض.. هذا التعلّق المطلق بالأسباب، الذي يقطع حبل الإنسان الأقوى بربّه!
 
هل يموت المريض لأنه مريض ويحيا الصحيح لأنه صحيح؟ لا والله، لم يكن ابتلاء الله لعباده إشارة موت بل تذكرةً لمن يخشى! هل يتذكّر الغافل الذي لا يعرف معنى الخشية من الله؟ الذي لا يستحضر إيمانه باليوم الآخر في كلّ تفاصيل حياته؟ كيف ينتفع بالتذكرة من لا يعي معنى أن الحركة والسكنة والكلمة والنظرة تقوده إلى جنّة أو تهوي بهِ في نار! إذا لم تتذكّر لحظة لقاء ربّك في مشهد جليل كالموت فهل في قلبك من خشية الله مثقال ذرة؟ "أتظنُّ حينَ تعداك الموت أنّهُ لن يصلك؟ ثمّة ليلة كهذه متكوّرة بالفقد ستكونُ باسمك أنت، كُن مستعدًا". 

وتذكّر أنّ "جذر كلّ صلاح في الإنسان أن يكون قلبه مطلًا على مشهد الآخرة. وجذر كلّ فساد أن تغيب الآخرة عن القلب، فتنفك كل عُرى الخير فيه". 
وقد قال تعالى: ﴿كَلّا بَل تُحِبّونَ العاجِلَةَ* وَتَذَرونَ الآخِرَةَ﴾.


أروى بنت عبدالله 
٢٥ شعبان ١٤٤٣ هـ
 ٢٨ مارس ٢٠٢٢م
 ١:٠٣ ص، الإثنين 

السبت، 29 يناير 2022

أصوات (٥) صوتٌ في القلب..


هل ركضت نحو أصحابك يومًا فوجدتهم متحلّقين حول كتاب الله يتلونه ويتدارسونه بينهم؟ يمدّ إليك صديقك الحافظ مصحفه الأخضر لتقرأ بعينيك عن قلبه، يسحبك رفيق لتتدبّرا آية قبل أن تفترق بكما طرق المساكن، يذكّرك صاحب بقولك إن دخلت جنّتك القرآنية المتمثلة في المربع الضيّق الصّغير في استراحة التربية، المربع الواسع الكبير في قلوبنا التي رُزقت حبّ القرآن وصحبه. ما شاء الله لا قوّةَ إلا بالله! 

تستفتح كلّ حديثٍ قرآني بقولِ المعلّم والقائد الأعظم، رسول الله الحبيب ﷺ "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده"، ويقول الله -عزّ وجل- في الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتباذلينَ فيّ والمتزاورينَ فيّ والمتجالسين فيّ". 

تقوم وتجلس في كلّ مرّة وحولك حسيس من لهج القلوب بالدعاء.. تمامًا كالنّداء الخفي لسيدنا زكريا عليه السلام، خفي رغم استصراخ قلبِهِ العميق وصداه الممتدّ المحفوظ.. ياربّ! نسألك تلك المحبّة، ياربّ حُبّك وحُبّ من يحبّك وحُبّ كلّ عمل يقربنا إليك، ويهدينا إليك. ياربّ بركات الحلقات من سكينة وطمأنينة ورحمات تغشانا وملائكة تحفّنا، وملأ خير من هذا الملأ تذكرنا عنده. 

ما الصّوت الذي يراودك عن نفسك من قلبك ويدفعك لتخطو كلّ تلك الخطى مسارعًا نحو مكانٍ ما؟ أغيرَ المحبّةِ التي أوثقت في اللهُ كلّ عراها؟ نحو محرابِ الصّحبِ الذين إذا خرجت معهم في طريق تذكّرتم هجرة رسول الله، وإذا افترقت بكم الطرق تسائلتم عن حال أهلّ الصفة، ورأيتم في أنفسكم أنصارًا بعد أن كنتم مهاجرين، دوائر مستمرة من السّعي، وخطوات تفتح بعضها أبواب بعض. 

ومعهم، في لحظة استثنائية ستسمع ذلك الصّوت في قلبك، ينادي، يناديك، "يا طَيبةُ ضميني". تنطلق، مثقلًا تسأل الله الخفة، متعبًا تسأله الراحة، تتحلّقونَ عشية اليوم، ترددون أذكار المساء بصوت واحد، ولكلّ قلب صوته المتفرد بما فيه من نوايا. ياربّ اجعل لنا عندك صوتًا معروفًا من عبد معروف.. ياربّ. من الحلقةِ التي نوينا فيها سفرًا إلى روضةِ الحبيب ﷺ، وتحلّقنا فيها أرواحًا مشتاقة، خاشعينَ نسألك أن تسمعنا الحَق وتستعلمنا فيه، أن تختارنا لمقامٍ عظيم، وأن ترزقنا لباس التّقوى وتعيننا بقوّتكِ للمضيّ والعَمل.


تمضي بكم الأيّام، ثُمَّ..


تُقبِل نحو تلك الرّبوع وتعرِف أن لكَ فيها أحبّة، قضيت بينهم أجمل مواعيدك الجامعية، كفكفت حولهم شيئًا من أساك، وسِرت إليهم تشدّ الوثاق يدًا بيد مذكّرًا: الطّريق هكذا يا رِفاق لابدّ من هذا الجهاد، احتسبوا أجره.. لله لله. ستعرِف بحُب الله نفسك، عندما ينشر أنواره في صدرك بكلّ أولئك القرناء، بكلّ الأحبّةِ الذين اختار الله صدورهم أوعيةً لكلامه. يحفظك الله بهم، بتذكيرهم لك، بأكتافهم الدافئة حولك إذا اشتدّ صقيع أطرافك، سيقفون جدارًا منيعًا حول الشعلة في قلبكِ لئلا يطفئها عارض. سيظللون أرضك ويذكّرونك بسورتي البقرة وآل عِمران، أتقنهما فهما غمامتاك يوم تشتدّ الأهوال. 

ستبدأ رحلتك في المعرفة خطوة خطوة، لن تدرك من الخطوة الأولى، ولا من الثانية ربما. ستعيش الرحلة مدهوشًا ومشدوهًا نحو الجبل مرّة والبحر أخرى. ستعرف الله الظاهر عندما تخفى عليك الأشياء، وتعرفه الباطن حين يُظهر لك شيئًا صغيرًا تهتدي به رغم كل ما استتر عنك. ستعرفه لحظة تلفح وجهك رياح تحمل ذرات تراب تغمض على إثرها عينيك، حين تدرك ضعفك. ستعرفه حين تهبّ نفحات السّحر على الدّموع المنسكبة على خدّيك. 

ستعرفه رافعًا عينيك نحو السّمَاء، ناظرًا لكلّ محبوكٍ فيها، للسحابات السائرة، والنّجوم اللامعة، والقطرات المتناثرة، للظلمة الدّامسة وأشعة الشمس الممتدّة بسطوع بارِق تحاول بتتبعه استيعاب جمال الزّهر في حديقتك، وناميات الشّجر في رصيف شارعك. ستخطو بين أشجار حديقة العلوم كمن يركب قطارًا يسير بهِ بين سهولٍ لا يعرِف لها انتهاءً، ثمّ يتأمّلها من السطح لحظات الغروب فيكتشف عالمًا علويًا غَير الذي رآه وهو سائر. سيلمح جبالًا كثيرة، بعيدة وقريبة. سيطاوِل النّخيل والأشجار التي لطالما استظلّ بها وشرِب تحتها ماءً زلالًا من معِين الآي، يروي بهِ أرض قلبه مرّة ويحرُث مرّات أُخر. 

بتلك التأمّلات الصغيرة في المخلوقات، سيتمكّن الحُب من قلبك. ستتعجب من سهولة الكراهية والبغضاء في حياة الآخرين، سترى تتطاير أرواحهم مع كلّ عاصفة، وستسمع زفير غضبهم إذا مرّت أمامهم قطة. أمّا الحُب فيحتاجَ أنفسًا عظيمة، إذ ترجِع إليه أُصول كثير من الأخلاق الفاضلة. تعاونك مع الآخرين نتيجة للمحبّة، الإيثار نتيجة للمحبة، النّصح نتيجة سببها محبّة الآخرين، البرّ، المشاركة في السراء والضراء، كلّها من منبع المحبّة. وكم ربط رسولنا الحبيب ﷺ المحبّةِ بالإيمان قولًا وعملًا.. 
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
"لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب إليه من والده وولده والنَّاس أجمعين".
"من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليحسن إلى جاره".
"والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا". 
"ثلاثٌ من كُن فيه وجَدَ بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحبّ الرجل لا يحبه إلا لله".
"رجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه". 

أترى كيف يخبر رسولنا الحبيب ﷺ أن محبّة الله سببها محبة النّاس؟ أترى كيف ربطت محبّتك وإحسانك للآخرين بالإيمان بهِ ﷻ؟ أترى كيف أنّك بالمحبّة في الله ولله وحده تكون مع من أحببت تحت ظلال العرش؟ انظر في سيرته المستنيرة ﷺ لتتعلّم محبّة الآخرين، وتحلّى بها. تحلّى.. 


ستعرف الله بكلّ ذلك، ستعرفه كلما اقتربت، إذا أحببت ما يحبّه وأبغضت ما يبغضه، إذا أحببت أحبّ خلقه إليه وتخلّقت بخلقه، إذا عرفته مما علّمك إياه في رسوله المصطفى الحبيب ﷺ، حين تسعى لتكون كخَير البشر وتبحث في حياته عن معنى أن تعيش لله وأنّ الله وجهة وجهك حيثما كنت، ستدرك أنك مهما قلّبت بصرك بين السماء والأرض، لن تسير مستقيمًا إلا إذا ولّيت قلبك شَطر الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. 

ستنجو حينها، من كلّ ما يحاول غمسك في الدنيا دون اكتراث أو بصيرة، ستنجو من إبليس وأعوانه، ستنجو من كلّ الشّرور والمكائد، ستصفو لك الرؤية، ستبصر بعينٍ تلمع فيها النّجوم صُبح مساء، ستنجلي المخاوف كلّها، وتُمنَح صديقًا تنسكب نفسه في نفسك ونفسك في نفسه، ستدرك معنى السّرور كما تدرك معنى الألم. ستلمس النّدى في الأوراقِ الخُضرِ مبتسمًا لأنّك ترى فيه الأمان الذي يتلألأ في بساتين قلبك.
 
أبتسمت الآن يا صديق؟ هل داعب خيال لطيف عينيك وأنت تقرأ؟ هل رفرفت فراشات زُرق بين حناياك؟
 
هكذا تمامًا! ستطِيرُ نحو الهُدى والرّشد بأجنحةِ الحُبّ وحده وستنجو، إذا أدركت أن الذي مدّ لك خيط النّور هو الله الذي كتب عليك ذلك الوجع، هو الذي أبكاك وأضحكك، ومنحك ومنعك، وبسط وقبض.. إذا عرفته حقًا وأحببته في كلّ تلك اللحظات فقد نجوت! إذا جُبت كلّ المحطات في حياتك وحُبّ الله في قلبك غضّ نديّ، ستفهم. 

إذا أدركت معنى أنّك إليه راجع، ستتلذذّ فكرة الرجوع إليه بعد كلّ منعطف تنسى فيه حقيقة وجودك.. أنت هنا لأنّه يحبّك، أنت ملحظ عنايته، وقد أحاطك بقومٍ يحبّهم، لأنّه يحبّك. 


أقولُ هذا ولستُ سوى عبد فقير، يتبدّى له جهله كلّما أبصر، ويدرك ضعفه كلّما ضاعف جهده. وليس هنا إلا ليذكّرك: إذا أنار الله لك الدّروب فلا تظنّ نفسك بصيرًا، وحين يعيدك إليه كلما ضللت فلا تغترّ بكونك منيبًا، ولمّا ينطقك بالحكمة قبل أن تتلعثَم حروفك فلا تحسب نفسك حكيمًا.. انتبه لتداركه لك برحمته. أنت عبد ضعيف لن تدرك المراد بالأسباب، ولا المنال بالسّعي ولن تُؤتى بقلبك المشغول! 

ينتشلك الله بلطفه ورحمته مرّة بعد مرّة، يوقظك بالآيات لتستقيم، ويحفّك بالصّالحين لتذكره كثيرًا وتسبّحه كثيرًا. اقصده مخبتًا.. بأحمالِكَ كلّها.. قِف كسيرًا ببابه، أنِخ رحلك في رحابه، ارشف من بحرِ جُوده، تذلل له وحده، وتدلل. تدلّل. 


أروى بنت عبدالله 
٢٦ جمادى الثاني ١٤٤٣هـ
٢٩ يناير ٢٠٢٢م 
١٠:٠٠م السّبْت.

الأربعاء، 5 يناير 2022

أصوات (٤) نظرةٌ وَاسعة..


عندما تنظر إلى الحياةِ بعينِ قلبك الذي يرتع في النّعيم، وتحاول بتلك النظرةِ فهم الوجودِ حولك وتلمُّسَ أثره في حياتك. عنِ اليوم الذي شاركتنا فِيهِ إبتسام مشهدًا رأته بعينِ قلبها، بينما كانت خارجةً مع مدربتها في رحلة تعلّم قيادة السّيارة أواخر يوليو الفائت. 

أدركت من تجربتي قبلها، الوسع الممتدّ الذي تغطّيه أعيننا أثناء القيادة في مساحات وطُرُق شاسعة مفتوحة على الحياة. وأتذكّر كيف كانت بيبي زيانة -مدربتي- تضحّك عليّ في كثير من الأحيان لأنني لا أنظر إليها عندما تتحدّثُ إليّ أثناء القيادة. وهو ما قالته إبتسام تمامًا عن بداية تدريبها، كنتُ أرى نقطة الشارع أمامي فقط، أُركِّز عيناي طوال ساعةِ التدريب مستقيمة دون أي التفات لليمين أو اليسار. حتى قالت لها المدربة يومًا: يا ابنتي وسّعي نظركِ! 

كان نظر المدرّبة واسعًا ممتدًا ومبهرًا، كانت تستطيع رؤية كلّ شيء.. يمينًا، يسارًا، حركة الحياة، السّماء، الجبال، وكلّ شيء! ترى أشجار الطّريق والنّاس. وأنا في المقابل لا أرى سوى شارع، نقطة واحدة في ذلك الشّارع! 

كيف رأته إبتسام بعد ذلك يا ترى؟ 

لم تكُن لتربطه بشيء غير طريق القرآن ونحن في خضم مرابطةٍ جماعيّةٍ أيّامَ الدّورةِ المكثفة العاشرة. كانت تتخيّل طريق القرآن، طريق مستقيم واضح، وأنّها تركّز على الشارع الذي تسير عليه، دونَ أي اكتراث بالأرض حوله، قاحلة بلا زروع وبشر؟ لا يهمّ، الطّريق أمامي وسأمضي فيه. بدى المشهد جافًا جدًا، وتراءت لَهَا صحراء، لا تشعر فيها بالحياة. 

بعد مقارنةِ ما كانت تراه المدربة في طريق عام بسيط، وبينَ الأرضِ القاحلةِ التي نحبس أنفسنا فيها متوجسين تارةً وساعين تاراتٍ أخرى دون شعور نحو هدف جليٍّ نظنّ أن الوصولَ في بلوغِهِ فحسب.. تصادفنا في الطّريق لائحة حمراء دائرية أن: قِفْ

عندنا ترى الأشياء، ستحبّ الأماكن. ستحفظها، وتدلّ مكان الشجرةِ المزهرة، ستحبّ المرور عندها وستفرح بها كلّ مرّة. لا تمشِ وحيدًا يا صديق، تمهّل قارِب خُطاك، انظر حولك، اغرس فسيلة، واسقِ شجرة، تأمّلها، تمايلَ أغصانها، صوتَ حفيفها، والنّسمةَ الحانيّة التي يبعثها الله وأنتَ جالس تحت ظلالها.

ما أشجار الطّريق يا إبتسام؟
-إنّهم صحب القرآن يا أختي..

سيحفّكِ الله برحمته وفضله وكرمه بِهِم، لا تمرّي عليهم مرورًا عابرًا وعيناكِ على الطّريق فحسب. هُمُ الأشجار التي ستقوينَ بوجودها حدائقَ في ساحاتِ قلبك.. 

امشي بجوارهنّ، قفي واستظلي بهنّ، اسقيهنّ، أعطيهنّ، ساعديهنّ، وانتشليهنّ إذا داهمتهنّ عاصفة تكسر أغصانهنّ. كلي من ثمارهنّ، من وقفاتهنّ على الآي، من تدبرهنّ ومن فكرهنّ، من جهادهنّ وصبرهنّ، تعلمي من مواقفهنّ في الحياةِ وقِفِي معهنّ. وكلّما بعث الله في تربةِ قلبكِ أُلفةً لفقيرةٍ سائرةٍ في الطّريق، مدّي لَهَا غُصنًا مخضرًّا من الرّحابِ التي تنعمينَ بها، دُلّيها على البساتين في قلبها، بتشابكِ أغصانِ كلّ تلك الأشجار ييسّر الله الدّرب للسائرِين نحوه، بكِ، بكُما، يتولّاكِ فيمن تولّى -عزوجل-، ويجعلكِ سلمًا لأوليائه الصّالحين.

أتفرِّط؟ أتزهدُ والله ساقَك نحوهم وساقهم نحوك؟ تسَير الدّرب بصحبةِ أستاذ، ورفيق صادق، وحافظ متقن، وأخٍ وزير.. وَيَا لبهاء السّير ومعك في الطّريق صاحبٌ صالح لا تريد أن تتهاون حتّى لا تفقد مجالسته، وما أسمى أن تجدّ حولكَ عشرةَ أصحابٍ لا تكسلُ حتّى لا يخلو محيطك منهم، وما أسعدَ اللحظةَ التي ترى فيها أربعين فتاةً هنا وهناك، يسرن بكلّ جدّ نحو هدف واحد. وما ذلك الهدفُ يا تُرى؟ ما الذي يجمع بينهن هكذا بكلّ هذا الجدّ والحِرص؟ إنّه استعدادٌ ليومِ صُعُودِ الدّرجات نحو العلياء، لليومِ الذي يقول فيه مَلك الملك لك: اقرأ! فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها... اقرأ... 


بهذا أعادتني إبتسام لتأمّل الطّريق مرّاتٍ متكررة، في كلّ الصّباحاتِ التي قصدتُ فيها الجامعة، كنت أتأمّل الأشجار الكثيفة على جانبي الطّريق الذي أسلكه، أرى في كلّها صحبي، في أغصانها المتشابكة، وفي ظلالها الوارفة، في امتدادها على طول الدّرب، في الفراشات الصغيرةِ بينها، وفي الطّيورِ المحلِّقةِ حولها. ياربّ صحبي! 

أصِلُ إلى الجامعةِ فألتقي بمن يرزقني الله لقاءه، هكذا دونَ مواعيد مسبقة، يسوقنا الله واحدة تلو الأخرى، المرّة بعد المرّة، واليومَ بعد اليوم، ... 

أُقفل مغادرةً إلى مقرّ العمل، ثمّ منه عائدةً إلى المنزل، أتأمّل تمايل النّخيلِ الفَاتن أمام أمواجِ الشاطئ وألوانِ الغروب بعد شروقِ الرّوحِ ذاك. لطالما قُلت "من لا يحبّ النّخيل، لا يحبّ الحياة"، أُديم النّظر فيها.. بعينِ المُحِبّ الذي عَرَفَ ربّه من حركات وسكنات مخلوقاته، عَرَفه بشدو القلبِ الذي نجا من المزالق متمسكًا بخيط ممتدٍّ من السّماءِ نحوه... 

مهلًا، كيف؟ كيف تعرفينه بذلك؟ أروى ماذا تقولين؟
-"من الحُبِّ يبدأ فهمُ الوُجودِ" يا صديقتي!
ماذا؟  


أروى بنت عبدالله 
٢ جمادى الثاني ١٤٤٣هـ 
٦ يناير ٢٠٢٢م الأربعاء ١٢:١٠ص

_________
-هذا الحوار مِن فكرة تشاركناها، لم يحصل حقيقةً، 
لكنّه حاصِلٌ روحًا ومعنًى💙🌿- 

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

أصوات (٣) بَرَكَات ممتدّة..


قصدت مكتبة منزلنا باحثةً بين كتبي التي خبأتها هناك عن أوراق الأوريجامي الصغيرة الخاصّةَ بصناعة النّجوم. لمحت بينها دفترًا أبيضَ اللون، أعرفه جيدًا، فيه صورة بتلات ورد جوري أحمر وبضع كلمات بالإنجليزية.. الدفاتر في حياتي آلات لا يستطيع أبرع المخترعين الإتيان بمثلها، إنّها وسيلة للعودةِ بالزّمن.. ينتقل معها الجسد لا الرّوح فقط! 

يعود تاريخ ذلك الدفتر حسب المكتوب إلى أواخر شهر ذي الحجة من سنة ١٤٢٨ من الهجرة النّبوية الشريفة، أي مطلع يناير ٢٠٠٨م. كان يمثّل لي دفتر الوصول القوّي نحو الاتصال الحقيقي بعلوم القرآن، دفتر الوصول الذي سبقه عامان من النزوح، من الهجرة في سبيل الله، من الغربةِ التي كانت رغم شدّتها لطيفة برحمةِ الله وكرمه لأنّه معنا ولأنّه أكرمنا بالقرآن صاحبًا قبلها وأثنائها وبعدها. أتأمّل أبيات الشّافعي التي كتبتها على طبقة الدفتر "أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ..."، والفراشة التي رسمتها بعد كتابة اسمي بالقلم الأخضر اللّامع.. والنصيحة التي كتبتها أمي بخطّها "الثقةُ بالله أزكى أمل، والتوكّل عليه أوفى عمل".. يا إلهي كم كبرت تلك الطفلة وكم عامًا مرّ منذ ذلك الحين! 

تذكّرت في الأثناء جملةً أسمعها من هاجر كثيرًا، تقول "السّير في دربِ الوصول وصول"، لزمتني خمسة عشر عامًا لأدرك أن كلّ ذلك السّير كان وصولًا! أقلّب صفحات الدفتر وأتذكّر المعلمات اللاتي قصدت حلقاتهن في تلك الحقبة الزمنيّة، أتذكر المعلمة التي طلبت منّا كتابة تفسير جزءٍ من آية في سورةِ الجمعة "كمثَلِ الحمارِ يحمِلُ أسفارا"، وأقفّ عند ما خطّته يداي بدهشةِ الذي كان قد رأى الحقيقة وعاش بها منذ زمن بعيد... 

أعود من هناك سريعًا، مستذكرةً اللحظة التي كنت أنتظر فيها عبير بعد صلاة ظهر يوم الخميس.. لنتوجه إلى كلية الآداب حيث الحفل الختامي لنادي إتقان التلاوة. كنت أقلّب هاتفي بحثًا عن مقطع صوتي، فإذا بي أصطدم بتسجيلٍ لي كنت أنشد فيه أبياتًا كتبتها عن جمعيات التحفيظ! أتذكّر أنني كتبتها بحزنِ المشتاق إلى نعيم الحلقات اليومية التي كنّا نتنقّل فيها أيام ابتعاث أبي إلى الأردن، حلقة صباحية من السادسة والنصف مع ماما خلود في المدرسة، ثمّ حلقات الظهيرةِ مع ماما ماجدة.. وحلقات أسبوعية كلّ يوم سبت في مركز الهدى، وحلقات أخرى مع مس مروة في مركز اليرموك فرع الجمعية الرئيس بإربد.. وحلقات الصيف المكثفة مع خالتو هدى أم محمد وخالتو المديرة أم ناصر.. 

مضت خمس سنوات على تلك الأبيات! والآن؟

أتأمّل فتيات نادينا المحببّ بعينِ العبد الذي يسأل الله أن يتقبّل سعيه ويباركه، وأن يثبّت رفاقه ويمنّ عليهم بالمحبّة التي أوجبها لعباده الذين يجلسون في سبيله يتدارسون الآي ويتعاهدونه بينهم.. 

للهِ جِهادُ فَرَح وجهادُ عَبِير وجِهادُ نعْمَة، للهِ انتظارهُنّ وشرحُهُن وتركيزهُن لتصحيح خطأ ومعلومةٍ وضبطِ مخرَج حَرف. للهِ سَعيُ المشرفات وتطوعهنّ وإحسانهنّ، للهِ ثباتُ الطّالبات وصبرهنّ ومحاولاتهنّ. للهِ كلّ ذلك التكرار، ما أصاب منه وما لم يصب. للهِ التعتعة والمشقّة وبحّة الصّوت بعد ساعاتِ التدريب.

للهِ اجتماعنا على شيء من علوم القرآنِ فجرًا وضحى، ولله ضحكاتنا قبلَ صلاةِ الظّهر. للهِ صوتُ عَبيرة الآسر، وصوتُ زُهد وصوتُ أفنان الهادئ، وللهِ صوتُ آلاء ومشاكسات فاطمة لَهَا، للهِ صوتُ حبيبة الذي يذكرني بصديقتي عُهُود، للهِ صوتُ هُدى السبّاقة في رياضِ الذِّكر تتلو الآي وتقرأ الأذكار. للهِ صوتُ شيماء الذي نُحبّ، وللهِ أصواتُ الأحبّة في حلقاتِ يوم الجمعة الاستثنائية. للهِ صوتُ أسماء الذي يفتح أعيننا على خُضرةِ الخَريفِ حولهَا، وصوتُ الزّهراءِ الذي يجعلنا لا ننسى ما تقولُ كلّما وقفت على آيةٍ تتدبّرها. 

للهِ صوت عفراء المثابرة للهِ سعيها لساعةٍ نتآزرُ فيها لتسميع الوِردِ اليوميّ، وللهِ البسماتُ اللطيفةُ التي يرسلها بوجودِ هادِي الصّغير حولها، يتساءل عن حفظنا ويلتقط الكلمات فيسأل ماذا تعني كلمة ركيك؟ ركيك يا هادي تعني أننا لم نرضى بالوقف الاضطراري الذي يحدثه التفكير في كلمةٍ وسط الآي. وللهِ صوتُ لميس نهايةَ الأسبوع تترقب أصواتنا لمراجعةِ حفظ الأسبوع. 

كيف كنت تتوجس خيفةً في أحيان، وتنطلق معهم في الحديث أحيانًا أخرى.. وكلما مضى يوم، وجدت فيهم حُسن خلق وخفةً في النّفس، بل وخفة دمٍ نبيلة. تجدُ في كثيرٍ منهم لُطفًا بالغًا، وفِي جماعةٍ منهم عذوبةً متزنة، وفِي الهادئِينَ عملًا دؤوبًا وجهادًا خفيّا. 

يكبُرُ المشهد وتمتدّ الصّورة بكم جميعًا، يبارك الله في الجَمع ويتحلّق الأصحاب في الاستراحة والمصلى والسّطح. تتّسِعُ النّظرةُ ويخشع القلب متأملًا الطّريق.. سابحًا في السماء المرفوعةِ بغير عمَدَ، والجبال بأكنانها، والأرضِ! الأرض التي يخطو عليها.. 


أروى بنت عبدالله 
أرشيف ١٤٤٣هـ
نصّ بين: يوليو ٢٠٢١ - يناير ٢٠٢٢م 

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

أصوات (٢) نادي الثالثة صباحًا..

 

مرحبًا وحُبًا أصدقائي،
استلقيت مساء يوم الأمس رغمًا عنّي، بجسد منهك لا يكاد يتذكّر كيف مرّ يومه ووصل إلى الساعة الحادية عشرة، حاولت رفع الهاتف لأكتب بضع كلمات، فلم أستطع حمله خشية أن يسقط على وجهي، ثمّ التفت يسارًا أبحث بعينيّ عن سماعتي الصغيرة لأستمع إلى رسائل رفيقتي هاجر، لكن يدي لم تكن لتمتدّ طويلًا لتصل إلى الطاولة متناولةً السماعة، لم أستطع فعل شيء. تأمّلت الهاتف المستلقي ببطارية قليلة جدًا قد ينطفئ على إثرها قبل أن يرنّ منبه الفجر على الأرجح، لا بأس يوقظني الله بمن يسخّر. أغمضت عيني، وانتبهت بعد نصف ساعة على صوت الكلمات تكتب نفسها في ذاكرتي وأنا شبه نائمة، والآيتان الأخيرتان من سورةِ الحديد ما زالتا تترددان في أذني بصدى صوتِ عبير. 

وفي خضمّ كلّ ما قبل لحظةِ نهاية اليوم تلك، أخوض في الحياة باحثةً عن فكرة ومتأمّلةً في معنًى وسابحةً في ملكوت آلاء الله. أتأمّل خطواتي المتسارعة في ممراتِ كليّة الحقوق، وخطواتي المتسابقة بين كلية التربية وكلية العلوم، وخطواتي الهادئة بين وحدات المجمع الخامس قاصدةً محرابَ الحافظةِ الحبيبة. وفي معظم الأيّام، أتأمّل سعي النّاسِ الحثيث صباحَ كلّ يوم، أفسح الطّريق لمن يحمل في سيارته أطفالًا، وأتجاوز اللاهين بهواتفهم، وأرى مجازًا في العيون المشرّعةِ تشريعًا وبين يديها كوب قهوة أو شاي رباعيات محمود درويش..
"أرى ما أريد من النّاس:
رغبتهم في الحنين إلى أي شيء 
تباطؤهم في الذهاب إلى شغلهم 
وسرعتهم في الرّجوع إلى أهلهم". 
أدخل مكتبي وأتأمّل النّافذة بحثًا عن عائلةِ الحمامِ التي تسكن ثقبًا في المبنى المجاوِر، لمَ تأتِ الحمامة منذ بدايةِ الأسبوع.. هل طُرِدت مؤنستي من عُشِّها؟ عشّها؟ ألمحَ أحجارًا وآثار اسمنت حديث... غادرَ الحمام الزّاجل النّوافِذ، ولَن يواسيني مشهد الحمامةِ التي تسعى قُبيلَ ظهيرة كلّ يوم بين واجهةِ المبنى وساحتِهِ الخلفية عشراتِ المرّات ولا تعود إلا بشيء صغير لا يكاد يرى مقارنةً بحجم منقارها الصّغير. 

تساءلتُ مرّةً -قبل ثلاث سنوات- في تويتر قائلةً: كنت أفكر في اقتباس "⁦‪تهونُ‬⁩ علينا في المعالي نفوسنا"، لأي درجة يمكن للإنسان أن يضحي برغبات نفسه وراحة جسده وصحته وقربه من أهله حتى يصل للعلا حسب مفهومه؟ 
وبقيت أسعى مهونةً على نفسي الرّحلة بما بعدها، فيأتي ما بعدها ولا يتغيّر من النّصب شيء سوى أنّه ينصب في اتجاه آخر وبطرق مختلفة تغيّر علينا وتيرة الحياة فلا نضجر. لكننا نستمر... مؤمنين بأنّ كلّ الخطوات الصغيرة ستكبر! 

أتذكّر في الأثناء ومع ازدحام خطوط النهاية مطلع هذا الشّهر -بدءًا من ختام مقررات الماجستير وانتهاءً بختامِ سنتي الأولى في عالمِ المحاماةِ العجيب- أنني شرعتُ قبل عامٍ في قراءةِ كتاب نادي الخامسةِ صباحًا لروبن شارما. أوه! نادي الخامسة صباحًا؟ 


-قصاصة من الأرشيف- 


لطالما بدأتْ صباحاتنا بعد الفجرِ بأصواتِ طيورِ الحيّ ورِفاق الحلقات وديك الجيران بصياحِهِ المُزعج. وقت تسبّح فيه المخلوقات كلّها، وتقومُ أنتَ مع ناديك المفضل لتُسبّح الله وتذكره وتشكره، مع مجموعةٍ من الرّفاق. "هل في الدُنا شيءٌ يُعادِلُ بُكرةً؟ جرّب -فديتُكَ- نشوَةَ المستبكِرِ". أتذكر هذه الأسابيع أحدَ أشهرِ كُتُب رُوبن شارما الأخيرة (كتاب: نادي الخامسةِ صباحًا)، وأتساءل إذا ما كان يعرِفُ عن نادي الثالثةِ صباحًا! لابدّ أن الشخص العظيم والمتفرد والسبّاق في الميادين الذي يحاول صناعته وتدريبه بذلك الكتاب، سيصل. 

لكن، ماذا عن الذي يسبق أولئك العظماء، الذين يراهم العالم أفذاذًا في سباقات الدّنيا، بساعتَينِ! وإضافةً إلى الوقت، فهو يسبقهُمُ وبين يديه كتابٌ مُبين، ويحاول جاهدًا في ذلك الوقت الذهبي الثّمين أن يملأ قلبه نورًا منه. يقومُ من نومِهِ مُتعبًا فيتقوّى به، ظمآنًا فيرتوي منه، الكون حوله مظلم فيستدلُّ بنورِه، وموحِشٌ فيأنَس بكلامِ ربّه فيه. مَن أعظم من هذا عملًا ومنزلةً إذا أخلَص؟ ومن يسبِقُهُ في الميادينِ كلّها وقد صَدَق؟ 

"للهِ درُّ الناهضينِ مُبكرًا من لذّة النّوم العمِيقِ المُسكِرِ". 
لله درّ الرِفاقِ الذين تقطع أصواتُهُم تلك اللذّة المسكرة، قاصدينَ مولاهُم وكلّهم طمَعٌ فيما عندَهُ من أسمى لذائذِ النّعِيم. لله صوتُ الحافظاتِ المتفكّر في النّور لحظات القيامِ الأولى، وأصوات الذاكراتِ بعد صلاةِ الفَجر. للهِ صوتُ منبه الهاتفِ الذي يدوي في أذاننا خشيةَ أن يسلو منبه القَلب فتفوته المجالس التي تحفها الملائكة، للهِ الاتصالات الكثيرةُ المتكررةُ التي نتبادلهَا خشيةَ أن تفوّت واحدةٌ منّا الحلقة. للهِ صوتُنا المتحشرجُ أوَّل الصّباح، وأكواب الماء السّاخن تلفّ بيننا ليصفو فنصحح أخطائنا في التلاوة. 

ومعَ كلّ ذلك التأمُّلِ السّاكِنِ لأصواتِ الرّفاق، تتداخلُ أصواتُ الحياة الواقعيّة، لتذكّرنا أننا لسنا في نفسِ المجلس ولا في نفسِ البقعةِ الجغرافيّة. 

————— 

تذكّرت تلك القصاصة من أرشيف الملاحظات التي كنت أكتبها بين الفينةِ والأخرى أيّام الدورة المكثفة العاشرة. إن كان في الأيّام استشعار دائم للُطفِ الله الذي ملأ أوقاتنا بذكره، وغمرنا بكرمه، وأنعم علينا بمعاهدةِ كلامه والسّعي لإتقانِهِ تلاوةً وحفظًا وعملًا بإذنه، ورزقنا السير في طريقِ العلم النافع في مختلف المجالات، نسأله به العمل المتقبل والرزق الحلال الطيّب.. تطيب لنا الحياة ويهونُ حقًا كلّ ما نبذل، لأنّ العلياء التي نراها لن تكون علوًا في الأرض بل فردوسًا في السماء تهون دونه نفوسنا. 

بمثل هذا يدرك المرء معنى أنّه اختارَ دربَ الهُدى، وأنّه يريد أن يمنحَهُ الله المزيد. يومَ يستلذّ المشقّة التي تُعييه آخر اليوم، ويتَرَقّبُ لحظاتِ المسرّةِ التي تُشعِلُ فِيهِ جذوةَ حَثِّ الخُطى. فيفرح بما آتاه الله ويسأله الرّضى، "حمدَ الرّضا بحكمه لليقين بحكمته". ياربّ الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.. 

أروى بنت عبدالله 
٩ جمادى الأول ١٤٤٣ هـ
١٤ ديسمبر ٢٠٢١م 
-أرشيف يونيو ٢٠٢١م- 

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2021

أصوات* (١) استهلال..

بسم الله الرحمن الرّحيم، بسم الله السميع البصير، بسم الله القريب المجيب، بسم الله الفتّاح العليم.. بسم الله الكريم الذي وسعتنا رحمته، وغشيتنا السكينة فضلًا منه، ورزقنا ظلًا وارفًا نتفيأه بين آياتِ كتابه العزيز. بسم الله الذي علّم بالقلم، بسم الله الذي علّم القرآن وجعَل أهله من خاصّته، ومنّ عليهم بالسكينة والطمأنينة، وبالملائكة الطوّافة على مجالس الذّكر تحفّ الأصحاب الذين يتعاهدونه تلاوةً ومدارسةً. 


بدأت تفاصيلُ الكثيرِ من الحكايا في شاشة صغيرة، ترى فيها دوائر ملوّنة تتلوّن بها الأيام وتتزيّا بها ساعات الفجر الأولى. "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يا أروى"، "أذكار الصّباح يا رِفاق"، "ارفعي أقصى اللسان ووسطه لينحصر الصّوت ويعلو"، "ساعة الترفيه يا أصدقاء"، "هلمّوا إلى رياض الذكر"، "تدبّر اليومَ مع الآية ٢٩ من سورة الفتح"، "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"، "وصلنا عند قصة صاحب الجنتين"، "مبارك يا أصحاب أتممنا سورة البقرة".. كان لكلّ نداءٍ وقعُه، ولكلّ كلمة أثرها، كانت الأصوات تتابع بانسجام، وتتداخل. 

وبعد وقت مستقطع من الزّمن، جاءت البُشرى لتطمئن القلوب بالقُرب. كانت العودة إلى مقاعد الدراسة حضوريًا خبرًا سعيدًا ومبهجًا لسبب عظيم! سنتحلّق جنبًا إلى جنب، نتلو الآيات ونبصر أثرها في عيون الأصدقاء، وفي أصواتهم، الأصوات التي لن يقطعها إغلاق مكبّر الصّوت ولا مداهمة خارجية في الأرجاء. بدأت اللقاءات بشيء من الفرحة العارمة في أحيان، وبشيء من التوجس في أحيان. هل هذا العالم حقيقي؟ هل الأصحاب الذين يبدأ اليوم بالقيام آناء الليل معهم حاضرون أمامنا الآن ويتحدّثون إلينا؟ هل هم الذين صافحتهم أم أن خيالًا مرّ بصدى أصواتهم قبل قليل؟ هل سأجدهم في نفس المكان إذا جئت غدًا؟ 

نتذاكر معًا كيف بدأ عامنا الهجري بجملة من الترقّبات، هل سنتأهل؟ عند من سنقرأ؟ كيف سيكون الاختبار النهائي؟ هل حفظي ثابت ومتقن؟ كيف كان تطبيقي للأحكام التجويدية ساعة السّرد؟ .. نعيمٌ من الهموم القرآنية! ولطالما استشعرنا في الأثناء فكرةَ أن تحفّ الملائكة حلقاتنا الالكترونية تلك، حلقة كبيرة ممتدّة من أقصى الجنوبِ إلى أقصى الشّمال، كم من الملائكة في كلّ تلك البِقَاع تحفّنا جميعا ما جلسنا وصدقنا واحتسبناها ساعاتٍ في سبيل الله! ياللخيرِ العميم الذي انسكب على هذه الأرض وغشيها.. 

وبعد أن غَفَت وتحوّلت كلّ جوارحك إلى آذان في زمن مضى. تستيقظ! تستيقظ لترى الأصوات وتلمسها ويعلقَ بكَ شذى عبيرها. 

عن الصّديق الذي يتذكّرك في المختبر وهو يتأمّل خضرة الأغصان الممتدة أمامه، ويراك في امتداد الظلال وتداخلها وهو جالس في كرسي برفقةِ مُصحفهِ يُراجِع محفوظه. عن صاحبٍ تركب معه حافلات الجامعة وتتخيلها تدور بكما بين مكّة والمدينة، فتدعو الله كثيرًا أن يروي ظمأ الأشواق بزيارةٍ قريبة. تستفتحان بالآيات كلّ لقاء وجلسة لتتذكّرا أنّ الله جمعكما في أجلّ الدّروب وأطهرها. 

عن صديقٍ يوصلك إلى محاضرتك ويلقي عليكَ أبيات شعر قبلَ أن تفترقا، ويدعو لك كثيرًا، سرًا وجهرًا، بأنّ تكون ملحظ عنايةِ الله في كلّ خطواتك. وصديق تلقاه بعد اجتماعاتك الطّويلة الشّاقة، فيستقبلك بالبشر، ويناولك ما في يده هديةً نظير جهودك ومباركةً لكلّ إنجازاتك الصغيرة، حتّى والذي بين يديه بالونات زرقاء. عن الأصدقاء القادمين من البلاد البعيدة، تسارِع نحوهم شوقًا، وتصافحهم مصافحةَ العائد من سفرٍ طويل بعيد عن أحبابه. 

عن الصّديق الذي تجلس معه كلّ مساء على قارعةِ الطّريق، فتحكيانِ الهزائم الصغيرة التي جبرها الله بالآيات، والعزائم الكبيرة التي دفعها الله بالآيات، وأطرافًا من سعيكما الدؤوب في مختلف مسارات الحياة. عن كلّ الأيّام التي يتلقّاك فيها الصحب بالمحبّة، بالنّجومِ اللامعةِ في أعينهم، بالنّرجِسِ والياسمين، وبمخبوزاتهم التي لا يفارق مذاق حلاوتها قلبك.


عن أَحبِّ الصَحب وأقربهم، صحب القرآن 💙🌿.


أروى بنت عبدالله 
١٨ ربيع الثاني ١٤٤٣هـ
٢٣ نوفمبر ٢٠٢١م 

___________________________
*أصوات 
سلسلة من الحكايا واليوميات عن صَحبِ القرآن 
تدوينة جديدة كلّ يوم ثلاثاء بإذن الله..  


الخميس، 8 يوليو 2021

كلّا والله.. لن يضيّعك الله أبدًا


تأتيك لحظات تشعُرُ فيهَا أنّك بعيدٌ جدًا، بعيد كثيرًا، ولعلّك الأبعَد، الأبعد حتمًا. وليقينِك التّام بأن هذا ميدانُ تنافُسٍ، تشتَعِلُ في نفسك الحماسةُ تارةً، وتذوي من بُعدِك في أحيان. يريكَ الله فيمن سبَقَك الخير، ويقيّض لكَ من حولكَ الأخيَار. يريدُكَ الله حقًّا، يريدُكَ مِثلَهُم، يريدك قريبًا منه، ويقرّبُكَ من أهلِهِ وخاصّتِهِ.

ألستَ من سأل الله حُبّه وحُبّ من يُحبّه وحُبّ كلَّ عملٍ يقرّبك إليه؟ أتتكوّرُ على نفسك الآنَ هاربًا بضعفكِ ومختبئًا بتقصيرك؟ ألستَ الظمآن الذي منحه الله نبعًا وكان يسأله جُرعة ماء؟ ألستَ الضائع الذي يسّر الله لهُ مُرشدًا ودليلًا يأخذ بيده وقد كان يسألهُ خيطَ نُور؟ أتُفلِت أيديهِم الآنَ وتعودُ إلى منجمِكَ بمعوَلٍ هزيلٍ لا يُخرج من الثلاثين إِلَّا اللمعان الخارجي الذي لا ينيرُ سماءَ روحِك! 

انفُض عنك وهم عدم اللحاق بالرّكب، وأسأل الله الثّباتَ في الأمر والعزيمةَ على الرُّشد، هذه الطّريق لمن صَدَق وعَمِلَ. لا يضرّنك تعثّرك الآن فتسأم، ولا أخطاءك فتيأس وتستسلم، لا تسمح لشدّة أستاذٍ أن تُنفّركَ من الطّريق، ولا تترك لنبرةِ شفقةٍ من سابِقٍ أن تحوّل مسارَكَ. ألستَ قاصدًا وجه المليك الذي لا يُردّ عند بابه أحد؟ ألستَ محتسبًا كلّ هذا له وحده لا شريك له؟ أليسَ ما عنده أوسَعَ وأكبرَ وأرحَب من رجاءك؟ 

هل يضيّعُكَ الآن وقد أخلصتَ لهُ النيّة وسألته البركةَ والقَبول آناء الليل وأطرافَ النّهار؟ هل يضيّعُكَ الآن وقد صفا لك الدّرب واتضحت لك معالمه؟ هل يتركك وحيدًا متخبطًا لا ماضيًا ولا راجعًا؟ لا تعجَل، ولا تفتر، ارسم سلالِمَ آخرَتِك واصعدهَا درجةً درجة. لا تقفز، وإذا عَرَض عارض فأوقِفْه دونَ تردّد. ولا تنفرد، أنتَ تعرِفُ الطّريق وقد سخّر الله لك -زيادةً- مِنَ النّاس من تستشير إذا تغلّقت في وجهِكَ الأبواب. 

اصنَع من توالي الختماتِ العَذبةِ قوّةً في نفسك، وإصرارًا لمُتابعَةِ سعيك، وصورةً نقيّة لمشهدِ ختمتك. 

أروى بنت عبدالله 
٣ يوليو ٢٠٢١م 

الخميس، 24 يونيو 2021

بينَ اختبارين..


انتهى الاختبار النظري الثاني من اختبارات الدورة المكثفة العاشرة قبل دقائق. عندما عدت لمراجعة بعض إجاباتي وجدتُ ثلاثةَ أخطاء. أردت أن أضرب الطّاولة بقبضتي بعد عصير المخّ الطّازج الذي نتَجَ عن مذاكرةٍ مكثفةٍ حتّى آخر لحظة. رددت بهدوء ويقين، ياربّ يارزّاق، ياربّ يارحمن يارحيم يارزّاق. 

ثم تذكّرت أختي القرآنية، الغَالية. حين كنّا نتحدّث ظهرًا عن هاء الكناية، فأخبرتها أننّا ننتظر اسمها في رأس قائمة متميزات الأسبوع، فقالت: جميعًا ياربّ. وبعد معرفةِ أخطائي تلك، ولحظةَ كُنت أجمع الأوراق لأعيدها داخل الكتاب بشيء من الحُزن، تذكرتُ حديثنَا فقفز على لساني دعاءٌ جعلني أقفُ مشدوهةً جدًا.. "لا نريد أن يتخلّف أحدنا عن الجنّة ياربّ". 

سرحتُ طويلًا... يكفي المرء نعيمًا استشعار لُطِف الله به، وتذكيره له، بأن الغاية جنّة عليّة لا نريد أن يتخلّف عنها الأحبّة، أهلنا وأصحابنا! وما بَذْلُنَا في هذه الدّروب وجهادنا إِلّا خطوات يسيرة وحجارة صغيرة نبني لأنفسنا بها بفضل الله الدرجات التي سنعلو عليها بكلّ حرفٍ وكلمةٍ وآية. نريد بها ألّا نتوقف عن الصّعود حتّى نبلغ الفردوس، نطمعُ ألا تكون آخر آيةٍ نقرؤها قبلها ولو بقليل. 

ندرك أن الغاية من الوقوف على آيات القرآن تَلَمُسُ طريق الهِداية، أن يجعلنا الله مهتدين به وهادِين. أن يقبلنا عنده عبادًا صالحِين. أن يتقبّل أعمالنا فيباركها ويزيدها ويقرّبنا بها إليه -جلّ وعلا-. فهل سنَبلُغ؟ هل يبلغ المتعثّر مقام راحته، والظمئان مورد ريّه؟ نسألُهُ القَبول، أن يقبلنا عِنده، أن يجعلنا من أهلِهِ.. وخاصّته. 

بين اختبارين، اختبار صغير تعلم أنّه طريقٌ يوصلك للنجاح في الاختبار الأكبر، لكنه حتمًا ليس كلّ شيء! تحسس موضع الآية في قلبك، وفي قالبك. ابحث عن سبيل لتطبيقها حتّى تراها حاضرة فيك وفيما حولك. واحفظ حقّ الله وحدوده ليحفظك الله بالقرآن. كُن قرآنًا يمشي على الأرض كما كان رسولنا الحبيب ﷺ، وقف على ثغرك بعزّ وعزم وقوّة وثبات. واعلم أن في سعيك للتحرّك به، زيادة في الإيمان وفي التقوى فلا تفتر. 


أروى بنت عبدالله 
١٣ ذو القعدة ١٤٤٢هـ 
٢٤ يونيو ٢٠٢١م