الخميس، 5 فبراير 2026

لقاءُ الأحبّة

     سَمحُ المحيا مهيب الطّلعة، صوت يتغنّى بالقرآن، وكم شَهِدت ذرّات الكون شهادته بالله الواحد القهّار كلّما أذّن للصّلاة، صاحَبَ القرآن في حياتِه فصَحِبَه حين عاد طفلًا صغيرًا في آخر حياته -رحمه الله وتقبله بقبول حسن-، حين ضاعت مِنه أسماؤنا ولم تضِع منه أسماء سُور القرآن إذا ذكرت عنده آية، يصمِتُ طويلًا وإذا قرأت له القرآن صوّب لك وتابع معك القراءة. 

      يا صاحِبي، ماذا تريد من الحياة إذا بلغت ما بلغ؟ ما الذي يؤنسك ويسليك إذا اطّرحت الفراش؟ وما الذي يبقى معك إذا صرت إلى ما صار إليه؟ كم في الصَّالحين من آيات أشهدك الله عليها! أما تُريد ذلك المقام؟ ما يشغلك عنه؟ ما بَلَغ الواصِلون إِلّا بالمعاهدة وصِدق الصّحبة يا أخي. 

     ممَ تخاف عليهم؟ أمما يرجونه من لقاء الله؟ أحبُّوه فأحبّهم وأحبُّوا لقاءه وحانَ ميعادهم!  وآهٍ ما أطيَبَ اللقاء! موعودٌ المتقي بروضةٍ من رياض الجنّة في قبرِه، في تلك الأمتار التي يوسّد ترابها، يصحبه قرآنه الذي صَحِبَه وأنِس به في دُنياه، يصحبه عمله الصالح الذي قضى العمر في ميدانه، متعبدًا لله به في رحابه ومناكب أرضِه سبحانه. 
     ويالِهَنَاه! من كان قوله يوم زاره المَلَكُ وقد حانَت ساعته ودنَا أجَلُه "غدًا نلقَى الأحبّة محمدًا وصَحبَه"، ما أسعَدَه من لقاء، ما أشدَّ شوقَ القَلب له، … 

     تعالَ نخافُ من غفلتِنَا يا أخي، من ركضنا وطُول أملنا، من خُلُوِّ أيامنا من توبةِ الصّديقين واستغفارِ الذّاكرين، من بُعدنا عن مجالِس الصَّالحين وسُرُج العابدِين، تعالَ نخافُ من انشغالنا بالسّعي واشتغالنا عن تطهِير القَلب وتجديدِ النيَّة، عن تصحيح العمل وتحديد الوِجهَة، عن أيّ الصَّالحين تتحدَّثُ أيّها المشغولُ بالوسيلةِ عن مسخّرها وحاملِك عليها! 

     ما حَادَت رِكابُ المُخلصِين عنه سبحانه، ولا انصرَفت قلوبهم نحو غيره سبحانه، ما سُكّرت أبصارهم، حفظوا الله فحفِظهم ووجدوه تجاههم، سألوا الله واستعانوا بالله واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم للهِ سبحانه، وماذا يريد من وجد الله؟ ماذا فقد من وجد الله؟ ابحث عن الله يا أخي، فإنّك إن وجدته استغنَيتَ بالغنيّ سبحانه، واكتفيتَ بالكافي سبحانه، وفاضت روحك شوقًا للقاء اللطيف الخبير سبحانه. 


أروى بنت عبدالله 
١٦ شعبان ١٤٤٧هـ
٤ فبراير ٢٠٢٦م.  
١٢:٠٨ص. ليلة الأربعاء